أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

رضّع مع أمهاتهم خلف القضبان

الأربعاء 11 أيلول , 2013 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,163 زائر

رضّع مع أمهاتهم خلف القضبان

عندما وضعت منال طفلها خلف قضبان السجن بين ست عشرة سجينة في غرفة لا تزيد عن أربعة أمتار مربعة، حاولت أن تلجأ إلى القضاء لإنصاف المولود الذي لا ذنب له بما ارتكبته أمه، بغض النظر عن وضعها القانوني.

بحث أحد المحامين عما يساعده في دعواه التي ينوي مباشرتها لرفع الظلم عن الصغير السجين مع والدته، ولكن عبثاً.

لا يوجد في لبنان نص قانوني يلحظ السجينة الأم أو المرأة الحامل، برغم وجود ست سجينات حوامل حالياً في سجني طرابلس وبعبدا، وأم مع طفلها في سجن آخر.

لم يكن أمام منال إلا أن تُبقي طفلها معها لمدة شهرين كي تتمكن من ارضاعه ورعايته، ثم أخذت القرار الصعب. أرسلت وراء عائلة زوجها ومنحتها رضيعها لتربيته. 

وكيف لمنال أن ترعى طفلها وليس هناك أي مراعاة لحاجات المرضعة أو طفلها، وحتى الحامل من ناحية الغذاء وضرورة إرسالها إلى غرفة خاصة وتأمين المتابعة الصحية الخاصة والملابس والغذاء، أو مواكبتها بالإرشاد النفسي. لن تجد أياً من حاجات طفلها من فوط (حفاضات) وملابس وملاءات، ولا يسمح لوالده بزيارته من دون حواجز، وطبعاً ليس هناك دار حضانة. وكل ذلك مثبت في تقرير أعدته المحامية منار زعيتر عن سجون النساء في لبنان. 

من يسمع ممثلي وزارتي الصحة والشؤون الاجتماعية وهما يدليان بدلوهما خلال الطاولة المستديرة التي نظمها «التجمع النسائي الديموقراطي» عن سجون النساء في لبنان، يكاد يتمنى أن يدخل السجن. إذ بدا وكأن لا داعي للورشة كونها تتحدث عن مكان مثالي خال من المشاكل. 

وبما أن ممثل وزارة الصحة قد غادر بعد الافتتاح فلم يسمع ممثل مسؤول السجون في قوى الأمن الداخلي المقدم غسان عثمان يقول إن أطباء قوى الأمن الداخلي هم من يعتنون بالسجناء، وإن التعاون مع وزارة الصحة يقتصر على تأمين بعض الأدوية لا غير. الأدوية نفسها «غير متوافرة دائماً»، وفق ما أكدته ممثلة إحدى الجمعيات العاملة داخل السجون.

ولم يخلُ اللقاء من تباين في وجهات النظر بين عثمان وممثلين عن المجتمع المدني، عندما اعتبر عثمان أن بعض المنظمات المدنية وعبر اهتمامها بالسجين تساهم في تحريضه على قوى الأمن. الجمعيات نفسها هي التي تعوض جزءاً من غياب الدولة عن الاهتمام بالسجناء، برغم بعض المداخلات التي تحدثت عن فساد في صرف تمويل بعض الجمعيات، واستغلال أخرى لأذونات دخول السجن لتنفيذ أجندات لا تصب في خدمة السجناء بقدر ما تخدم أهدافها ومنها جمعيات دينية ناشطة داخل السجون.

وقد عرضت المحامية منار زعيتر تقريراً ميدانياً أعدته داخل سجون النساء خلال العام الجاري، أبرز مشكلات سجون النساء في لبنان، سواء في النصوص القانونية أم في الممارسات.

ورصدت زعيتر في المجال الصحي ضعف الاستجابة للحالات الطارئة للسجينات ومعه توفير الأدوية ووسائل الوقاية من الالتهابات المهبلية، وعدم شمول المعاينة الصحية الاعتداءات الجنسية وحالات الحمل والاجهاض. 

وبرغم نص القانون على معاينة السجينات ثلاث مرات اسبوعياً، أكدت زعيتر عدم توافر طبيب بشكل يومي في السجن، وضعف المعاينة السريرية ومعه إجراء الفحوص الطبية، لا سيما سرطان الثدي والرحم والصحة الإنجابية والجنسية لكل سجينة.

وسجلت زعيتر غياب التوعية بالأمراض المنتقلة جنسياً، ومتابعة الاضطرابات النفسية والعقلية للسجينات.

وعلى صعيد الحق بالغذاء، تعاني السجينات من عدم كفاية الغذاء وتقديمه على ثلاث وجبات ومراعاته الأوضاع الصحية والثقافية الخاصة بالنزيلات.

أما بالنسبة إلى النظافة الشخصية فـ«لا تتأمن حاجة السجينات من المواد الضرورية من شامبو وفوط صحية وصابون. ولا تقدم للسجينات أي ملابس».

وتغيب البيئة العامة للسجن، وفق زعيتر عن المرسوم 14310 الخاص بالسجون الذي لا يلحظ سوى ما يتعلق بتعداد أسماء السجون وتفصيلها. فلا مراعاة للمعايير الدولية بالنسبة إلى مساحة الزنزانة، ولا تفصل المراحيض عن اماكن النوم والطعام، ولا تتأمن المواد اللازمة لنظافة الغرف، ولا تؤمن وسائل خاصة بذوي الإعاقة، ولا تتوافر المساحات المخصصة للفسحة بشكل كافٍ. 

وبالإضافة إلى عدم تأمين أي تدريبات أو مشاريع لتمكين السجينات أو تعليمهن وتشغيلهن، لا تتوافر المنشآت والمساحة لتلقيهن التدريب البدني والترفيهي.

ولفتت زعيتر إلى خلو القانون من أي نص يرتبط بحقوق السجينات الأجنبيات، ولا تتأمن لهن الترجمة. 

وبالنسبة إلى التقاضي، أشارت زعيتر إلى أنه لا يتم فصل الموقوفات عن المحكومات ولا المحكومات لأسباب مدنية عن المحكومات لأسباب جزائية. ولا تتمكن الموقوفة من إبلاغ أسرتها فور احتجازها. وتشمل العقوبات التأديبية المنع من التواصل مع الأسرة، ونادراً ما توثق حالات العنف الجسدي أو الجنسي التي تظهر على الموقوفة قبل احتجازها. والأهم أنه لا يراعى في السَوق عدم تعريض النساء لأنظار العلن ولا أوضاعهن الصحية الخاصة. 

ويهدف المشروع إلى وضع إطار داعم من التشريعات والممارسات وفقا لمقاربة حقوق الإنسان، وإضافة اعتبارات المساواة بين الجنسين على أحكام التشريعات والممارسات، واستحداث تعديلات في السياسات والممارسات لجعل بيئة سجون النساء في لبنان بيئة أكثر مواءمة لمعايير حقوق الإنسان.

يتشارك في المشروع كل من «التجمع النسائي الديموقراطي اللبناني» و«دار الأمل» و«كاريتاس لبنان» - مركز الأجانب و«منظمة دياكونيا».

ختاماً، حددت زعيتر التوصيات التي يقتضي مراعاتها عند تعديل التشريعات والسياسات، وهي تتلخص بضرورة مراعاة الحاجات الصحية الخاصة بالنساء بما يرتبط بالحق في الصحة والغذاء ونوعية الطعام وكفايته وبالحق في النظافة الشخصية لجهة تأمين مستلزماتها الأساسية، والحق بالتأهيل وإعادة الاندماج لجهة تطوير البرامج والانشطة التربوية والمهنية والترفيهية للسجينات.

وشددت على ضرورة تعزيز تواصل السجينات مع أفراد أسرهن لا سيما أولادهن، وتفعيل المعونة القضائية لتقليص مشاكل توقيفهن واحتجازهن، وتأمين الحماية القانونية والنفسية لهن، وتطوير إدارات السجون وتدريب الحارسات والممرضات والأطباء العاملين في سجون النساء على مقاربات حقوق الإنسان والنوع الاجتماعي.

سعدى علوه - السفير 


Script executed in 0.18127512931824