قبل أيام قليلة فقط، كان الوصول إلى تلك البلدة الوادعة محفوفاً بالمصاعب، فطريقها الترابية الضيقة التي لم ترَ الزفت إلا نهاية شهر آب الماضي، بدت وكأنها أشبه بخط أسود رُسم بعناية وسط التلال المحيطة بها، والأشجار الحرجية وجداول الينابيع التي تشتهر بها المنطقة.
قلة من المواطنين الذي يصعدون باتجاه أعلى جرود الضنية، وتحديداً منطقة جيرون وجارتها منطقة قرن جيرون، كانوا يتوجهون يساراً نحو بلدة عصيموت، عند التقاطع الذي يقع أسفل وادي سرّي الذي يرتفع عن سطح البحر نحو 1300 متر، ويجعل من يريد التوجّه إلى جيرون أو قرنها يظنّ أنه يتسلق الطريق المؤدي إلى أعلى الجبل بالحبل وليس بالسيارة، نظراً لوعورة الطريق!
أكثر من كيلومترين تقريباً هي المسافة التي تفصل تقاطع الطريق في أسفل وادي سرّي قبل الوصول إلى عصيموت. لا بيوت ولا أثر لأي إنسان على الطريق الملتوية، إلى أن تظهر من بعيد ملامح بيت حجري قديم على مقربة من بضع أشجار سنديان مُعمّرة.
لكن البيت الحجري الذي يطوّقه جدار عالٍ يزيد طوله على 10 أمتار، لم يكن أكثر من زريبة بقر بعدما أطلت إحدى البقرات من نافذة ضيقة في الجدار تطلّ على الطريق، ثم عادت إلى الخلف سريعاً، بعدما شعرت أن هناك غرباء في البلدة.
في مواجهة زريبة البقر هذه يوجد غرفة صغيرة كان بابها الخشبي القديم مغلقاً، لكن إطلالة من نافذتها الصغيرة تظهر أنها مخزن للعلف والصناديق ومعدّات زراعية عدّة يستخدمها أصحابها في عملهم ضمن أراضيهم الزراعية.
يشعر سكان المنزل الذي يبعد عن الزريبة والغرفة أمتاراً معدودة ويعلوهما قليلاً، بوجود أغراب في المكان، فيخرج رجل ستيني يذكّر من يراه بالمزراع التقليدي في القرى اللبنانية، بالكوفية التي يلفها فوق رأسه، وشرواله وسيجارته «اللف»، وعندما تعرّف إلى زوّاره سارع إلى استقبالهم ببشاشة.
البيت الحجري المُكوّن من غرفتين ومصطبة أمامهما ذو طابع قروي بامتياز، ويعطي انطباعاً لمن يراه أن عقوداً طويلة مرّت على هذا البيت من غير أن تدخل عليه أي تحسينات، لجهة الأبواب والشبابيك الخشبية القديمة، وأرضيته الباطون و«درابزين» الحديد، وموقد النار على الحطب الذي يعلوه دست كبير، وأغراض المطبخ من طناجر وصحون مرصوفة في الهواء الطلق إلى جانب ساقية مياه تجاور المنزل، وأثاث البيت البسيط والقديم، الذي لم يعد المرء يجده إلا في أماكن قليلة في مناطق الريف.
يسارع الرجل الستيني، ويدعى يوسف الحزوري، إلى وضع كراسٍ عند المصطبة لجلوس ضيوفه، وينادي على بعض أبنائه أن يحضّروا القهوة، قبل أن يشير إلى أن «محسوبك عنده 9 أولاد»، وأن بعضهم يساعده في العمل بأرضه الزراعية، لافتاً إلى أكياس خيش امتلات بخضر اللوبياء البادرية، أجود أنواع اللوبياء وأطيبها وتشتهر عصيموت بزراعتها، وأن بعض أهالي المنطقة يأتون لشرائها من عنده.
يوضح الحزوري أن الطريق إلى بلدته جرى شقها قبل نحو 20 سنة، وقبل ذلك «كنا نصل إلى بيوتنا مشياً أو على الدواب»، أما الكهرباء فيلفت إلى أنها «وصلت إلى عندنا قبل 5 سنوات». وعندما سئل كيف كانوا ينقلون أي شخص مريض إلى المستشفى، ابتسم وأشار بيده إلى جهة عكار قائلاً: «كنا نضع المريض فوق خشبة ننقل عليها الميت عادة، ونسير به بين ساعتين إلى ثلاث ساعات، إلى أن نصل إلى قبعيت»، إحدى بلدات عكار المجاورة.
عصيموت جميع سكانها من الموارنة، ولا يقيمون فيها شتاءً، إذ ينزلون إلى مناطق الساحل وتحديداً قرى وبلدات زغرتا. يوسف مثلاً يقيم في بلدة أردة حيث تابع أولاده دراستهم، وكذلك يفعل أحفاده، باستثناء شقيقه أسعد الذي يرفض مغادرة عصيموت طيلة أيام السنة، وفي فصل الشتاء يبقى فيها وحيداً.
أثناء الحديث مع الحزوري تمرّ سيدة بمحاذاة منزله وهي تبرز صليباً كبيراً على صدرها، فيُسأل عن علاقته وأهل بلدته بجيرانه من المسلمين في قرى جرد الضنية، وهل تأثرت علاقة أهل عصيموت بهم خلال الحرب الأهلية، فيردّ ببساطة أهل الريف وخبرة المجرّب: «لقد تقاسمنا معهم الحلوة والمرة. نحن أهل ورح نضلّ».