بحث أحمد لمدة طويلة عن عمل في البقاع الأوسط، لم يجده بالرغم من الوساطات، و«الشخصيات»، وطرق الأبواب، من دون جدوى. وأتت التفجيرات الأخيرة والتوترات الأمنية لتفتح له باباً للرزق، وجده مشرعاً على مصراعيه، من دون عناء أو وساطة أو اتصال من هنا أو هناك.
أحمد واحد من عشرات الشبان البقاعيين، الذين يصدق عليهم المثل «مصائب قوم عند قوم فوائد». إذ إن مصائب الناس ومخاوفهم من التفجيرات، انقلبت فائدة على أحمد الذي غنم فرصة عمل في إحدى الشركات الأمنية الخاصة. وهي ظاهرة تتكاثر في ظل الظروف الحالية. وجد شبان رزقهم في شركات أمنية خاصة، بات لها حضورها وكيانها الملحوظ بشكل ظاهر. آخرون وجدوا ضالتهم في العقود المؤقتة للشرطة البلدية. وتواصل بلديات البقاع تحرير تلك العقود وإرسالها إلى وزارة الداخلية لتصبح سارية المفعول مع موافقات استثنائية موقعة من وزير الداخلية مروان شربل، يوافق فيها على تعيين عناصر شرطة مؤقتين. ويلفت من يحظى بوظيفة شرطي بلدي إلى أن المؤقت في لبنان سرعان ما يتحول إلى واقع أبدي، ويضاف إليهم أمن خاص إفرادي، لجأ إليه بعض الأشخاص الذين استعانوا بشبان لمواكبتهم وحمايتهم من أي استهداف.
موارد الرزق الأمني خلقت أكثر من 700 فرصة عمل ووظيفة. والخير يعود، وفق محسن، الشرطي البلدي من أصحاب العقود المؤقتة، إلى الأجواء الأمنية التي يتحدث عنها طويلاً. ويأمل أن تطول، حتى يبقى مؤقتاً، إلى ما شاء الله. وفق محسن، الناس خائفون ويريدون تشديد عملية المراقبة على النازحين السوريين، ومنعهم من التجول ليلاً بعد الساعة الثامنة. فكان لا بد من توظيف عناصر شرطة بلدية، والتوظيف تتشاركه مختلف بلديات البقاع، بدءا من مجدل عنجر وصولاً إلى بلدة علي النهري. وهي تعلن عن حاجتها الماسة لزيادة عديدها من عناصر الشرطة البلدية. حاجتها مزمنة، لكنها اليوم باتت حاجة ماسة وضرورية وإلزامية، لا سيما مع تزايد أعداد النازحين السوريين. وهو العامل الأكثر تحفيزاً لتوظيف مؤقت لعناصر شرطة بلدية، من مهامهم مراقبة تدفق النازحين السورين، ومنعهم من التجول بعد الساعة الثامنة، إلى مراقبة الداخلين والخارجين من الأحياء في القرى والبلدات، والانتشار في الأسواق التجارية، وإقامة بعض المربعات الأمنية، وخصوصا في محيط أماكن العبادة، وصولاً إلى تسيير دوريات ليلية.
التفجيرات فتحت كذلك شهية البعض للتهافت على الشركات الأمنية التي «فتحت عليها». وهو تعبير يطلقه ارشاك بهادوريان، الذي قام في غضون شهر واحد بتوظيف مئة شاب في شركته الأمنية، التي تحمل اسما أجنبيا معناه بالعربية «لا رحمة».
مطلب الأمن الخاص لم ينحصر في موضوع البلديات، إنما تطور ليشكل جزءا من يوميات البقاع، مشاهده واضحة أمام مداخل الشركات الخاصة والمؤسسات التجارية والسياحية. والأهم أن «الأمن خاص» حتى لا يقال انه «ذاتي»، على مداخل الشقق السكنية في شتورا وزحلة، وفي مناطق أخرى، يخشى سكانها من وصول ظاهرة الخطف إليهم، فاستعانوا بشركات أمنية علها تبعد عنهم تلك الكأس المرة، وفق أحد المواطنيين السوريين، الذي استعان بأربعة حراس يتنقلون معه كظله. تلك الحاجة غنمها شبان لطالما فتشوا طوال سنوات عن عمل لم يجدوه. وفجأة «نعموا بنكبة التفجيرات»، وفق توصيف أحدهم، الذي وجد من يطلبه للعمل في إحدى شركات ما يطلق عليه «الأمن الذاتي الخاص».
الخوف من التفجيرات دفع كذلك بالعشرات من أصحاب المشاريع التجارية في البقاع إلى اتخاذ بعض تدابير أمنية أمام مؤسساتهم، من وضع شرائط وعوائق لمنع توقف السيارات، وتحويلها إلى مواقف خاصة، عدا زيادة عديد شبان الأمن، لمراقبة السيارات، والداخلين إلى مؤسساتهم. كما أن عدداً من العائلات اللبنانية والسورية استعانت مؤخراً بشركات أمنية، لمواجهة عصابات الخطف التي لم يعد يعيقها أي شيء للوصول إلى ضحيتها حتى لو اضطر بها الأمر الوصول إلى باب شقة الشخص المطلوب خطفه، أو الذي يمكن أن يدفع فدية مالية.
وينتشر عناصر الحراسة التابعين لشركات أمنية خاصة على أبواب المؤسسات التجارية والسياحية، ومداخل بعض القصور والأبنية السكنية والتجارية، والمراكز الاقتصادية، ومقار بعض البعثات السياسية والإغاثية العربية والدولية، وسواها من المراكز التي يشعر أصحابها بالحاجة إلى أمن قد يقيهم شر العبوات والتفجيرات. وفق بهادوريان، فإن عديده من الشبان المدربين يزيد عن مئتين. وهم مجهزون بأحدث التقنيات الأمنية ووسائل الاتصال، والأجهزة التي تكشف أمكنة وجود المتفجرات، عدا وجود مدربين لكلاب بوليسية تقوم بمهام الكشف عن المتفجرات. ونشط بهادوريان في تأمين الحراسة لعدد من المهرجانت السياحية، وحراسة بعض الاحتفالات. وهو يواجه، كما يقول، ضغطاً في تأمين عديد من الشبان لحراسة بعض المدارس والإرســــاليات، التي قدمــــت طلبــــات للتــــعاقد مع شركات أمنية.