سعيدةٌ لأجله...
توّسد القمر الأرِقُ غيمة رمادية، ولو أن الوقت موسم المطر، لانهمرَ الماءُ مالحاً فوق التراب.. حتى الياسمين ذَبُلت رائحته في تلك الليلة.. وصار الكلامُ سكوتاً لا يفقهُ لغةً، ولا يجيد ربط الحروف..
وحدها كانت تتحدثُ بطلاقة مفرطة.. كانت نبرة صوتها قوية.. عالية.. لكنها لم تستطع رغم ذلك أن تخبئ ذلك الوتر الحزين، الذي تتعلّقُ على حبله الدموع فيلتفُّ حول العنق ليخنق الأنفاس ببطء شديد..
" ما بكم واقفون هكذا! "قالت لهم وكل منهم يبحثُ عن زاوية يزرعُ فيها نظراته خوفاً من أن تفضحهم الدموع.. بلى! كانوا يبكون.. وقلّة هم الرجال الذين يجيدون البكاء..
هنا على هذه الشرفة كانوا يجلسون.. يتحدثون.. يضحكون ويمزحون.. وإن أصاخوا السمع الآن لربما سمعوا رنين صوته.. أنغام ضحكته.. لرأوا إشراقة عينيه التي يغارُ منهما القمر..
وكررت مقولتها لهم: "ما بكم واقفون هكذا؟! لقد تأخرتم على السهرة مع مهدي! هيا اذهبوا واسهروا معه، ألا تذكرون كيف كان ينتظركم أن تأتوا لتجلسوا معاً هنا.. كان دائماً يخبركم أنه يحبُّ هذه الجمعة الجميلة فلا تتأخروا عليه.. إنه ينتظركم.. هيا اذهبوا لقد أوصيتُ لكم على قالب حلوى، وبعد قليل سيصل وسآخذه إليكم.."
مشوا.. ولم يعرفوا هل أن الطريق كانت طويلة أم أن قلوبهم لجمت خطواتهم كي لا يصلوا إليه.. فموعدهم معه لا يشبه المواعيد..
وقفوا ينظرون إليه من بعيد.. ورويداً رويداً اقتربوا منه.. جلسوا على التراب النديّ.. وفاضت مواجعهم.. فمهدي لم يستقبلهم كعادته بالترحاب والتأهيل.. لم ترن ضحكته .. فقمرهم الآن يتوسدُ التراب، البسمةُ قد علت ثغره وعيناهُ أبتا أن تغمضا عن هذه الدنيا، لأنهما لم تريا شيئاً منها ومن حطامها.. وها هم رفاقه قد تحلقّوا حول قبره في الليلة الثانية له في منزله الجديد.. وما هي إلا لحظات حتى وصل قالبُ الحلوى التي ارسلته الأم لهم.. إنه على شرف ابنها الشهيد..
استشهد مهدي في يوم ذكرى استشهاد المولى أمير المؤمنين عليه السلام...وحينما جاؤوا به إلى أمه زغردت له ورشّت على جثمانه الورد والأرز والأصوات تعلو "لبيك يا زينب "..
فاقتربت امرأة منها وشدّت عليها قائلة : " ( نيالك ) شو صابرة ! "
نظرت الأم إليها وقد لاحت العبرات في أفق عينيها : " انا لستُ صابرة.. أنا سعيدة..." تنهدت وقد غدرتها دمعة تلقفتها بيدها " سعيدة لأنه هو من يريد ذلك.. سعيدة لأنه سعيد.. النصر يحتاج إلى الدم وإذا نحن لم نقدّم الدم من الذي يقدِّمه ؟!"
قصة والدة شهيد الدفاع المقدس مهدي محمد ياغي.. استشهد بتاريخ 31/07/2013