تتعدد الروايات في شأن الأساليب التي تعتمدها مافيات الهجرة غير الشرعية الممتدة من لبنان إلى ماليزيا وأندونيسيا وأوستراليا، في استغلال المواطنين الراغبين بالخروج من لبنان، وإقناعهم عبر وسطاء بدفع مبالغ مالية تصل الى حدود العشرة آلاف دولار أميركي عن الشخص الواحد ثمنا لـ"حياة هانئة ومستقبل أفضل".
وإذا كانت "عبّارة الموت"، وهي الخامسة التي تبحر من أندونيسيا إلى جزيرة "كريسماس" الأوسترالية عبر بحر "سيانجور"، لم يكتب لها الوصول إلى شاطئ الأمان، وابتلعها البحر بمن فيها، وسط تساؤلات كثيرة عن دور المافيا في إغراقها بعد فشلها في تأمين وصول المهاجرين إلى أوستراليا، فإنها كشفت أمام كثير من المغرر بهم المصير الأسود الذي كان ينتظرهم لو استمروا في مغامرة الهجرة غير الشرعية.
وبدا واضحاً أن ركّاب العبارة المشؤومة من اللبنانيين كانوا ضحية جشع بعض أقربائهم وأبناء بلداتهم ومدنهم ممن سخرتهم مافيات التهريب للعمل لمصلحتها مقابل عمولات مالية عن كل شخص يتم إقناعه بالهجرة غير الشرعية.
وتشير المعلومات المتوفرة لـ"السفير" الى أن التحقيقات التي تجريها الأجهزة الأمنية كشفت أن هناك رؤساء بلديات حاليين وسابقين ومخاتير وأشقاء مخاتير وبعض الوجهاء في القرى والبلدات العكارية وفي طرابلس ومخيم البداوي، متورطون في العمل لحساب هذه الشبكات التي لا يقتصر نشاطها في لبنان على تأمين التأشيرات الأندونيسية أو الماليزية وإرسال المهاجرين الذين يستقبلهم عملاء تلك المافيات هناك فحسب، بل إن نشاطها تعدى ذلك، إلى تزوير بطاقات هويات وجوازات سفر سورية لبيعها لمن يرغب بـ500 دولار للهوية، وألفي دولار لجواز السفر، وخصوصا للبنانيين والفلسطينيين، وذلك لاستخدامها عقب الوصول إلى أوستراليا بما يسهل عملية اللجوء السياسي أو الإنساني إليها، وذلك بسبب الحرب الدائرة في سوريا.
تضيف المعلومات أن بعض السماسرة كانوا يقدمون عروضاً إضافية للراغبين في الهجرة غير الشرعية إلى أوستراليا، لجهة نقلهم بالبحر مقابل ثمانية آلاف دولار للشخص الواحد، أو نقلهم بطائرات مروحية أو سياحية صغيرة وهذه يستخدمها السياح للإطلاع من الجو على معالم المدن الأوسترالية مقابل 12 ألف دولار، أو نقلهم بشكل رسمي من مطاري إندونيسيا أو ماليزيا الى مطاري سيدني أو مالبورن في أوستراليا، حيث يقوم أشخاص هناك باستلامهم ومساعدتهم على طلب اللجوء وذلك مقابل 15 ألف دولار.
عشرة مشتبه فيهم؟
ذلك كله يدل إلى أن مافيات الهجرة غير الشرعية تتمتع بنفوذ كبير جداً في المؤسسات الأمنية الرسمية في تلك الدول، أو أنها تمتهن إغراء الراغبين بالهجرة قبل أن يكتشفوا الواقع الأليم الذي يحيط بهم، مثلما حصل مع ركاب "عبّارة الموت" الذين أمضوا أكثر من شهرين ونصف الشهر في مجمع سكني في جاكرتا في ظروف قاسية جداً.
وعلمت "السفير" أن الأجهزة الأمنية بدأت بملاحقة أكثر من عشرة أشخاص بين طرابلس وعكار ومخيم البداوي ثبت تورطهم بالتعامل مع شبكات الهجرة غير الشرعية، عرف منهم: م.ح، وأ.د، وح.خ، وجميعهم من بلدة قبعيت، إضافة إلى ع.ط (وهو مختار) الموجود حالياً في ماليزيا، وقد قام بنقل نحو سبعين شخصاً من المهاجرين اللبنانيين والسوريين.
ومن المتورطين أيضاً ف.م، وهو رئيس أحد البلديات العكارية، وع.ر من فنيدق، وخ.خ، وع.ط من طرابلس وقد توارى الأخير عن الأنظار فور الإعلان عن غرق العبارة، وربما غادر إلى أندونيسيا، وع.ن، وع.ش من مخيم البداوي.
وتشير المعلومات إلى أن هؤلاء مرتبطون بأكثر من شبكة في أندونيسيا معظمها يعمل لمصلحة العراقي أبو صالح، إضافة إلى شبكات أخرى في ماليزيا.
معالجات
في غضون ذلك تستمر الجهود الرسمية من أجل إعادة الناجين من "عبّارة الموت" إلى لبنان، ونقل جثامين الضحايا بعد إجراء فحوص الحمض النووي، بهدف التعرف عليها.
وقد طلب وزير الخارجية عدنان منصور من سفير لبنان في ماليزيا علي ضاهر الانتقال إلى أندونيسيا لمساعدة القائمة بالأعمال هناك جوانا قزي في متابعة الملف.
وعلمت "السفير" أن اجتماعا يعقد صباح اليوم في وزارة الخارجية يضم الأمين العام للخارجية وفيق رحيمي، والمدير العام للمغتربين هيثم جمعة، ورئيس اللجنة الوطنية العليا للطوارئ محمد خير، والأمين العام للهيئة العليا للاغاثة إبراهيم بشير، لبحث الاجراءات التي ستتخذ من أجل إعادة الناجين ومتابعة علاجهم في المستشفيات.
وقد أجرى المجتمعون إتصالا بوزير الصحة علي حسن خليل وطلبوا منه تخصيص مستشفى في طرابلس لأخذ عينات دم من عائلات الضحايا لإرسالها إلى المستشفى العسكري في جاكرتا لإجراء فحوصات الحمض النووي، بما يساعد في التعرف على الجثث تمهيدا لنقلها إلى لبنان.
وزار خير بتكليف من رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي منطقة التبانة وعقد اجتماعا مع أهالي الضحايا من عائلات: الحراز، الراعي وغمراوي، وأكد لهم أن الدولة تبذل جهوداً من أجل استعادة الجثث، لافتاً إلى أن هذا الأمر يحتاج إلى بعض الوقت لإجراء الفحوصات اللازمة عليها، بما يضمن التعرف عليها.
ومن المفترض أن يغادر ممثل عن عائلات التبانة إلى أندونيسيا خلال اليومين الماضيين، لينضم إلى ثلاثة أشخاص من قبعيت كان أرسلهم ميقاتي، وذلك للمساعدة في التعرف على جثث الضحايا.
وكان أبناء التبانة نفذوا اعتصاما، أمس، أمام السنترال للمطالبة بإعادة جثث الضحايا من أندونيسيا، وقد ألقيت كلمات ناشدت الدولة والمسؤولين الاسراع في الاجراءات التي من شأنها أن تبرّد قلوب الأهالي.
وكانت فرق الإنقاذ الأندونيسية انتشلت، أمس، جثتين لطفلين لبنانيين، ليرتفع بذلك عدد الجثث التي تم التعرف عليها إلى 24، فيما يبقى 26 في عداد المفقودين، بينما تضع السلطات الأندونيسية 18 لبنانياً من الناجين في الإقامة الجبرية.
غسان ريفي