أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الضاحية تستعيد حياتها

الجمعة 04 تشرين الأول , 2013 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,503 زائر

الضاحية تستعيد حياتها

عادت الحياة طبيعية إلى الضاحية الجنوبية، لأن للحياة مسارها الذي يتغلب على عوامل التوتر، ولا سيما في منطقة اعتادت الحروب.

فتحت المدارس أبوابها، مع بداية العام الدراسي، وهي تعج بالتلامذة، بعد التخوّف من عدم استئناف الدراسة. وبدأت المحال التجارية تستقبل زبائنها تدريجا، بعد شبه توقف في الحركة.

وقد تضافرت ثلاثة عوامل في الجمود وهي: الأزمة الاقتصادية التي تصيب غالبية المواطنين، باستثناء الأثرياء، وقضاء قسم كبير من سكان الضاحية فصل الصيف في قراهم في الجنوب والبقاع، ووقوع انفجاري بئر العبد والرويس.

وتسعى ثلاث جهات في الضاحية حالياً إلى توفير الأمن، وهي: حزب الله، والقوى الأمنية الرسمية من جيش وقوى أمن داخلي، والبلديات، من أجل تسهيل حياة الناس والمدارس، مع وجود فوارق في قدرات كلٍّ منها ونشاطه.

عند أوتوستراد هادي نصرالله، في عمق الضاحية، تختفي كل مظاهر الأمن، لا حواجز ولا أعمدة حديدية، لكن أي غريب عن الأحياء، يريد التوقف بسيارته أو السؤال، سيجد رجلاً من الحزب خلفه. هكذا ما إن وقفت على رصيف أول محل عند الأوتوستراد أسأل أحدهم عن الحال، حتى جاء شاب من الحزب، معرفاً عن نفسه سائلاً عما أفعله.

ممنوع إيقاف السيارات

يوضح صاحب مكتبة عند الأوتوستراد أنه يمنع توقف أي سيارة لا تعود لسكان المبنى أو زبائن المحالِ ويردف مازحا: ثلاثة أرباع السيارات المتوقفة هنا هي لنساء، لأننا نعيش في عصر النساء، ولم تعد المرأة تخرج من منزلها من دون سيارة.

يضيف أنه يعمل في المكتبة منذ عشرين عاماً، ولديه زبائنه، ومع ذلك تراجعت نسبة المبيع نحو عشرين في المئة، بسبب تدني القدرة الشرائية، مع العلم أن المواطنين يحتاجون إلى القرطاسية لأولادهم، ولا يعرف كيف يوفرون فيها.

وفي محل كبير لبيع الأدوات الكهربائية، على طريق الرويس، يقول المسؤول عن المبيعات، ويدعى أحمد، إن نسبة المبيعات حالياً تراوح بين عشرة وعشرين في المئة فقط، لأن الانفراج الأمني ترافق مع العودة إلى المدرسة، ولا يزال الأهالي تحت ضغط المصاريف المدرسية، وإن شاء الله تعود حركة المبيعات عادية.

لكن الوضع الاقتصادي، يضيف أحمد، أكثر تأثيراً على حركة البيع من الوضع الأمني، فقد تراجعت نسبة المبيعات عن العام الماضي، قبل الانفجارين، بما يقارب ثلاثين في المئة. وبعد الانفجارين، توقفت الحياة كلياً عند الأوتوستراد، حتى أصبح بالإمكان عد السيارات التي تمر يومياً من هنا. ويتمنى أحمد ألا تؤثر عودة الحياة إلى الضاحية سلباً على من يكرهونها، فيترصدون لها من جديد. ويعتبر أنه في النهاية لا أمن مطلقاً في أي منطقة من لبنان، وإنما الأمن سياسي.

وفي المحل كان شاب يعاين برفقة زوجته ووالدتها، أدوات كهربائية، براداً وغسالة وجهاز تلفزيون لمنزله، فأوضحت زوجته أنها ليست عروساً، وإنما ترغب في تجديد الأدوات الكهربائية لديها، مضيفة أن زوجها موظف وليس ثرياً، لكنها غير خائفة، فلن يحصل للضاحية أكثر مما حصل في حرب تموز، وقد استعادت بعده الحياة. ويضحك رجل كان يقف قربها قائلا: أهالي الضاحية أصبحوا يستغربون إذا كان الوضع هادئاً، لا العكس.

في حارة حريك، وضعت البلدية أعمدة مع سلاسل حديدية على جوانب الطرق الرئيسية. ومع عودة الحركة، بدأت الأعمدة تشكل عوائق لأصحاب المحال. فمن جهة يريدونها من أجل الاطمئنان، ومن جهة ثانية تبعد الزبائن، لأنه يترتب على كل زبون إيقاف سيارته أمام المحل، النزول وفك السلسلة الحديدية قبل توقيف سيارته.

هكذا، وجد صاحب محل لبيع الألبسة في حارة حريك نفسه شبه عاطل من العمل. يقول إن المحل موجود منذ عشر سنوات، لكنه يشهد حالياً اكبر نسبة تراجع في المبيع منذ افتتاحه، وصلت إلى سبعين في المئة، أي بالكاد يحصّل أجرة الموظف. لم ينعكس الانفراج الأمني بالنسبة إليه على الحركة التجارية، ويأمل مع انتهاء مصاريف المدارس الانتعاش مجدداً، لأن الناس تهتم بكيفية تأمين الضروري وليس الملابس.

المدارس تنتعش

بعد الانفجارين، انتشر سؤال في الضاحية: هل ستفتح المدارس أبوابها؟ هل سيؤجل استئناف العام الدراسي عن بقية المناطق؟ لكن ما حصل هو بدء العام الدراسي، حسب التوقيت المعتاد للمدارس، استناداً لتوزعها بين العام والخاص. بينما أفاد مديرو مدارس أن قسماً من الأهالي نقلوا أولادهم إلى مدارس في الجنوب والبقاع، وقسماً آخر نقلهم إلى مدارس قريبة من منازلهم، لكن بأعداد ليست كبيرة. ويقول مدير «ثانوية البيان» علي عبد الساتر إن أهالي التلامذة تريثوا بداية ايلول الماضي في تسجيل أولادهم. ولكن ما إن تأجلت الضربة العسكرية لسوريا حتى بدأوا يتوافدون في اليوم التالي. ويوضح أنه يتم تسجيل أكثر من نصف التلامذة أصلا نهاية العام الدراسي، وعددهم نحو ثمانمئة تلميذ، بينما تم في أيلول تسجيل ستمئة وخمسين تلميذاً. واستناداً إلى تقديراته فإن عدد التلامذة الذين طلب أهاليهم نقل إفاداتهم إلى الجنوب والبقاع، بلغ مئة تلميذ.

وقد تم إبلاغ الأهالي عبر كتاب خطي بالإجراءات الأمنية المتخذة حول المدرسة، وتشمل وضع كاميرات مراقبة، عوائق حديدية حول السور المحيط بالمدرسة، منعاً لوقوف السيارات، تنظيم خروج التلامذة لدى انتهاء الدوام، تعريف كل عائلة عن نفسها لدى حراس المدرسة، الطلب من العائلات التي تنقل أولادها بسياراتها الخاصة إنزالهم عند المفارق المؤدية إلى المدرسة، منع وقوف السيارات أمام مدخل المدرسة من وجود سائق بداخلها، التعاون مع سائقي النقل وتفهمهم في حال حصول تأخر في الصباح أو لدى انتهاء الدوام بسبب الحواجز الموجودة على الطرق. وجرى توظيف حارس خاص بمراقبة السيارات حول المدرسة.

في «ثانوية أشبال الساحل» في حارة حريك، تقول المسؤولة التربوية إنها سمعت عن نقل تلامذة إلى الجنوب، لكن الثانوية لم تتأثر بتلك الحالة. فقد نقلت ست عائلات فقط أولادها من المدرسة، بينها عائلة واحدة انتقلت إلى الجنوب، والبقية لأسباب اقتصادية. وتؤكد قرار الإدارة عدم زيادة الأقساط المدرسية، بسبب الوضع الاقتصادي.. إلا في حال دفع سلسلة الرتب والرواتب للأساتذة.

تعتمد الثانوية على الإجراءات الأمنية التي تقوم بها بلدية حارة حريك و«حزب الله»، بينما زادت عدد الحراس من اثنين إلى ثلاثة، ومنعت وقوف السيارات قرب المدرسة، باستثناء سيارات الأهالي مع الطلب منهم نقل أولادهم بسرعة. ويساهم وجود دوامين للخروج، الثانية والربع والثالثة، في تنظيم عودة التلامذة إلى منازلهم.

«الله يسلم»

كانت سيدة تمسك بيدي طفليها على الطريق بين المدرسة والمنزل وتلاعبهما، أحدهما في سنته المدرسية الأولى، والثاني لم يبلغ سن الدراسة بعد. تقول: «كلما ذهب طفلي إلى المدرسة أدعو قائلة المسلم هو الله، إن شاء الله لا يحصل أي مكروه. وكلما ذهب زوجي إلى العمل أردد الدعاء نفسه».

وتوضح أن زوجها كان يعمل في شركة محاسبة في السعودية وعاد إلى لبنان منذ عام ونصف العام، على أمل إيجاد عمل في إحدى الشركات في بلده،، لكن لم يتوافر له حتى الآن سوى العمل في حسابات خاصة، أي على القطعة.

تقيم منال مع زوجها وأطفالها الأربعة في منطقة الكوكودي قرب حاجز للجيش، ولديها طفلان في مدرسة «ليبانيز يونايتد ستيت»، في منطقة عين السكة في برج البراجنة. وتبدي ارتياحها لوجود حاجز الجيش قرب منزلها، ولا تعرف ما إذا كانت هناك إجراءات أمنية خاصة بالمدرسة، لكنها لا تخاف من إرسال ولديها لأنه لن يحصل إلا ما كتبه الله لهما.

وتوضح شقيقتها رجاء التي كانت برفقتها أن لديها توأماً (صبيين)، يدرسان في «مدرسة السان كير» في الحدث. بعد حصول انفجار الرويس بقيت أسبوعا في المنزل. ثم كلما خرجت وصادفت زحمة سير، تشعر بأن هواء يلفحها ويشدها إلى الخلف. تقول إذا توافقت أميركا وإيران نرتاح قليلاً. وعدا الخوف من الانفجارات، تشكو رجاء من الأقساط المدرسية. فهي تدفع عن كل ولد خمسة ملايين وثلاثمئة وخمسين ألف ليرة سنوياً، وستزيد المدرسة الأقساط هذا العام، بينما تدفع شقيقتها ثلاثة ملايين وستمئة ألف ليرة عن كل ولد سنوياً. 

ويؤكد رئيس اتحاد بلديات الضاحية محمد سعيد الخنسا، أثناء لقائه وفداً من تجار بلدية الغبيري وحارة حريك، أن «العوائق الحديدية في الطرق لن تستمر طويلاً. وهناك ترتيبات مع إدارات المدارس من أجل تنظيم الحراسة، بالإضافة إلى وجود دوريات متنقلة لشرطة البلدية». ويوضح أن هناك نوعين من المدارس، مدارس خاصة نتفق معها على وضع حراس استناداً إلى إمكانياتها المادية، ومدارس رسمية تتولى البلدية إجراءات الرقابة حولها، مع رقابة الحزب، على أن يتم ذلك بطريقة هادئة، لا تزعج التلامذة والسكان.

زينب ياغي


Script executed in 0.19941711425781