أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

العشائر زينة بعلبك.. مدينة الشمس والحروب الصغيرة: حكم العشائر في مدينة الرومان

الجمعة 04 تشرين الأول , 2013 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,250 زائر

العشائر زينة بعلبك..  مدينة الشمس والحروب الصغيرة: حكم العشائر في مدينة الرومان

وفي طياتهما خلاف يستوي على نار حامية، بين أهل الأحياء الواحدة والمنازل الواحدة. إنه «غضب العشائر»، على ضفتي المدينة، أو في قلب أحيائها المتداخلة حد التوأمة، التي يسبح أهلها في تاريخ زاخر بالهويات المتناقضة: مدينة ورثت روما أم ريف طالته الحداثة يشكّل الشيعة ـ قبل حزب الله وبعده ــ والسنة عشائره وسكانه؟ الناصرية والحنين إليها أم الشمعونيّة والصلح مع الإقطاع؟ وأخيراً، حزب الله أم «الثورة السوريّة»؟ المفارقة، التي قد تكون مؤلمة، أن البعلبكيين يتفقون على أولويّة واحدة: أفضليّة العشيرة على الدولة والحزب والثورة... وأي شيء آخر ذات يوم عُرض فيلم «العرّاب» في بعلبك. كان ذلك في السبعينيات كما أخبرنا بائع التذكارات، لكنه لا يتذكر في أي عام بالضبط. مارلون براندو وآل باتشينو وملائكة كوبولا قرب «أدراج» المدينة. الناس في السينما بالعشرات. هم أنفسهم من يسمّونهم «أبناء العشائر». لا نحتاج إلى مخيّلة عظيمة كي نعرفهم. سينما وفرح وافر سيستمران حتى أول الحرب. كان في المدينة ثلاث صالات رئيسيّة: روكسي وأمبير والشمس. اسم الأخيرة مفهوم. بعلبك منفى السماء. مدينة الشمس. أقفلت روكسي «من زمان» والذين يذكرونها قلائل.

 

ومقاعد الذكريات في أمبير تنازلت عن قصص جالسيها للنسيان. تحوّلت إلى مصرف. العالم كله يتحول إلى مصرف عملاق. استسلمت الصالة الأخيرة. لفظت أنفاسها «على أدراج بعلبك». أليس هذا ما يقولونه؟ غابت «الشمس» السينما وصارت محلاً لبيع الألبسة الجاهزة. كان العقد الأخير حاسماً. اعلان التحولات الثقافيّة الكبرى. لم تكن بعلبك مدينة تسهر للمهرجانات وحسب. كانت مدينة لا تنام، وهذا ينسحب على كل ما يتبع. جاءت المهرجانات إلى بعلبك ولم تذهب بعلبك إلى المهرجانات. كان القمر يُرضع المدينة ضوءاً، فجاء الفنانون إلى الضوء، قبل مرحلة الانحسارات الكبرى. فكما في باقي البلاد كذلك في بعلبك. بعد السبعينيات جاءت الأحزاب. وبدأت ملامح جديدة تتشكل. أحزاب وعشائر، واليوم مذاهب. لكن للمدينة نوستالجياتها. القلعة ذات الرخام الصلب والمعابد التي تحرس الأرض برؤوس مرفوعة. في القلعة شيء من روما؛ تاريخ العالم. وفي بعلبك تاريخ البلاد مضافة إليه أطوار العلاقات مع الجيران بحميميتها وحساسيتها. تاريخ يبدأ من السوق، قرب القلعة، حيث سقط عماد بلوق وعلي البرزاوي، قبل أيام، شهيدين برصاص لا تعرفه المدينة. تاريخ طويل، يمرّ بحي آل صلح، وحي آل اللقيس، ولا ينتهي بآخرها، قرب «مقام السيدة خولة».

 

الفارق بين «ثورتين»

 

لم يكن الحديث عن مذاهب سكان بعلبك وارداً. يقول مفتي المدينة، الشيخ خالد صلح، إنها «منطقة عشائر». وفي حساباته، هذا ليس تراجعاً عن مدينيتها، بل يحسب هذا التصنيف حارساً لتاريخها المعاصر. يحرّك بيده صورة الشيخ حسن خالد عن مكتبه، ويعيد ترتيب جلوسه خلف كرسي وثير. صورة في واجهة المكتب تماماً، وضعها الشيخ في الأساس لما يحتل صاحبها من مكانة في قلبه. لكن وجودها يتجاوز العاطفة، إذ إنها تصلح لأن تكون تعريفاً لهويّة صلح السياسيّة. فالشيخ خالد هو المفتي الذي تُتهم الاستخبارات السوريّة باغتياله قبل اتفاق الطائف بقليل. عندما يسترسل صلح شارحاً، لا يترك مجالاً للالتباس، فهو من أنصار «الثورة السوريّة»، وهذا يفسّر مواقفه السياسيّة الأخرى. بيد أن هذا لا يلزم الشيخ بحدّة الآخرين. لديه ذاكرة ايجابيّة، تسطع فيها صورة الإمام موسى الصدر، الذي «أسس حركة المحرومين من بعلبك لجميع المحرومين». وطبعاً كان في الحركة شيعة وسنة، ويومذاك أطلق شعاره الشهير: «السلاح زينة الرجال»، بعلبك، 1974. ورغم ما آلت إليه أمور الحركة، وما تسبب به سلاحها وسلاح الجميع في الحرب، فإن الشيخ لا يتحفّظ على الشعار. فقد انخرطت المدينة في «الثورة الفلسطينيّة» وفي شعارات المرحلة كما يقول، علماً أن كثيرين يناقضونه في رواية تاريخ المدينة المعاصر. يبدو الحديث عن «قضايا» السبعينيات أشبه بفتح كتاب أصفر بأوراق عتيقة بالكاد تقرأ فيها الحروف. ثمة من يقول إن بعلبك كانت صديقة للرئيس السابق كميل شمعون، وإن أهلها نزحوا للمشاركة في حروب العاصمة. أما المدينة نفسها فنأت بنفسها تلقائياً عن «الثورات» السابقة، وفي العهد الشهابي، فوّض الضباط العشائر إدارة الأزقة، من دون أن يعني ذلك خروجهم عن السلطة خروجاً مباشراً. كان تفويضاً لبنانوياً، يعتقد كثيرون أنه ثبت «حكم العشائر» بدلاً من تقويضه. صحيح أن لبعلبك تاريخاً في العمل الحزبي، ولكن ظلّت العشائر قيمة ثابتة لا يزعزعها شيء. والأحداث شاهدة على ذلك.

يحلو للبعض، والمفتي ليس منهم، أن يفسّر ضعف الوسط (بعلبك) بتقوية الأطراف (القرى المحيطة)، غير أن هؤلاء لا يأخذون في الاعتبار السجالات العالمية الدائرة عن أزمة الأرياف، ويستسهلون إلصاق «الجريمة» بحزب الله حصراً. يحلو لهذه الفئة القول إن حزب الله «مسح» تاريخاً ناصرياً، وهي الفئة نفسها التي تسارع إلى التبرؤ من عبد الناصر، والاعتراف بأن الإقطاع المتمثل بآل حمادة، رتب علاقتها مع «الوطنيين الأحرار». وبين هذا وذاك، تضيع هويّة المدينة، التي تبيع الخمر في محال متوافرة على الطرقات، ويرفع فيها أذان العصر. بعلبك عصيّة على الفهم، وتفسيرها كتفسير الرخام الذي يجعل الأعمدة الماردة في القلعة لامعة وغاضبة في آن واحد.

التداخل المذهبي: سوريالي تقريباً

تراجعت بعلبك كمدينة، وهذا لا سجال فيه، خاصةً بعد «التخلص» من مهرجاناتها هذا العام. وإن كان الصلح، كرجل دين، يشارك الحزب نظرته المحافظة إلى المهرجانات، فإن «جميع الأطراف» حزينة لرحيلها. يحاول الصلح النفاذ إلى طريق يلاقي فيه الخصوم في السياسة، والأهل في المدينة، فيذكّر بحرمان مشترك وإهمال تاريخي، تعود بداياته إلى نشوء الكيان، منذ اعلان ما يسمى «دولة لبنان الكبير»: «ما لأهل العاصمة لأهل العاصمة وما للبقاع لا يصل أكثر من شتورة». تشي نبرة الواثق التي يستخدمها صلح بأن الجملة لازمة معروفة في المنطقة. وكذلك معروف أن تركيبة بعلبك السوسيولوجية بسيطة في ظاهرها ومعقدة إلى درجة السوريالية في باطنها. يخبرنا صلح، أن رئيس مجلس النواب نبيه بري سأله، قبل فترة قليلة، عن «عدد الزيجات المشتركة بين السنة والشيعة في المدينة». والعدد هو 500 تقريباً. بيد أن الاحصاء يبدو أقل أهمية من التركيبة الديموغرافية.
يبعد «مسجد الإمام المهدي» عن «المحكمة الشرعيّة السنيّة» شارعاً واحداً. ولا يمكن أن نحسبه شارعاً، نظراً للتداخل الواضح في الأحياء. يعرف العارفون أن هذا ينعكس على إدارة المدينة، التي لا يختلف اثنان على أن حزب الله هو اللاعب الأول في إدارتها. ورغم كل شيء، يختار السنة نائباً لرئيس البلديّة، ولديهم سبعة أعضاء فيها وفقاً للعرف، لا للقانون. والشيخ مستاء من تقليص العرف من ثمانية إلى سبعة «بسبب قول الفريق الآخر إن الأحجام تبدّلت». نسأل الشيخ لماذا لا يلغى العرف من أساسه، بما أنه يجزم بتفوق الروابط الاجتماعيّة بين الناس على حسابات السياسة الضيقة، فيتذرع بـ «الوضع السياسي المحموم خاصةً بعد مشاركة الحزب بالقتال في سوريا».
والحديث عن بعلبك، من دون الحديث عن سوريا، يبدو كالحديث عن القلعة ونكران جذورها في روما. فأنصار تيار المستقبل، الذين كانوا حاضرين في مجلس الشيخ، ينفون نفياً قاطعاً مشاركة أي من أبناء بعلبك في القتال إلى جانب المجموعات السوريّة المعارضة، والشيخ نفسه يلفت الى أنه منع الكثيرين من الذهاب. يؤكدون ذلك رغم عودة جثمان مقاتل من آل صلح من سوريا منذ فترة غير بعيدة. السنّة كفئة، ليسوا قلة في المدينة. هم في المدينة نفسها يبلغون عشرة آلاف، فيما يرتفع عددهم في بعلبك ــ الهرمل إلى أربعين ألفاً مقابل160 ألف صوت شيعي في المحافظة، منهم 21 ألفاً في المدينة. أكبر عائلات السنة هي الرفاعي، التي يمثلها نائب في «كتلة الوفاء للمقاومة»، ويليها آل صلح، الذين يملكون حضوراً تاريخياً في المدينة ويعدّون سكاناً أصليين. أن تكون من «نفس بعلبك» يعني ذلك الكثير لصاحب الهويّة هذه في أعراف أهلها وتقاليدهم. إنه مجتمع التقاليد، الذي وفقاً للناس العاديين، من بيئة الحزب وخصومها، عرف الحزب كيف يتصالح معه، وحاول الجيش السوري إبان وجوده في المدينة أن يضع حداً له. والحال أن الجيش السوري رحل، وبقيت العشائر تقليداً لا يمكن القفز عنه مهما تغيّرت الأحوال.

الانفجار الكبير


رغم ما سبق، وجد الحزب بيئته متقدمة عليه في خيار القتال إلى جانب النظام في سوريا. ومن باب العرض، لا التأييد ولا الرفض، يمكن أن يلمس الباحث في المدينة المتعبة قلقاً بعلبكياً من تنامي أصوليّة معادية لثقافتهم في البلاد التي تعد منفذاً إلى العالم. لقد كان احتفال هؤلاء بالتحرير رمزياً، وإن كانوا من المشاركين فيه، وكان بين المقاومين من البعلبكيين في العدد ما لا يقل عدداً عن الجنوبيين. وقد تعرضت بعلبك إلى أكثر من مئتي غارة اسرائيليّة في حرب تموز الأخيرة، وتضررت فيها منازل كثيرة، فضلاً عن الإنزال الاسرائيلي الساذج في مستشفى دار الحكمة، للقبض على رجل، صودف أن اسمه يتشابه مع اسم الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصرالله. وعلى نقيض من مناصري الحزب، أخذ أنصار تيار المستقبل والجماعة الإسلاميّة، ومن يغطيهم دينياً، موقفاً حازماً لنصرة المعارضة السوريّة، بوصفها لحظة تاريخيّة للانقضاض على مختلف التغيرات التي طرأت على المدينة بعد صيف 1982. فمُذذاك، بدأ الحزب صعوداً عمودياً، لم يستطع أن يوقفه شيء، حتى حادثة «عين بورضاي» الشهيرة في 1997. كان واضحاً، أن الحزب جدي للغاية في استثمار البيئة التي أطلقته إلى العالم، ولا وقت لديه للانشغال بشعارات عابرة عن «الجياع» ستقود في نهاية المطاف إلى صدام مع «السلطة» آنذاك. استلزم الواقع توضيب العلاقات مع العشائر، وترميم الشوائب التي تزامنت مع انطلاقته، والمضي قدماً في تحصين «الجبهة الداخليّة» قبل حدوث أي انفجار كبير.
هكذا، وفي عام2011، اندلعت «الثورة السوريّة».

(غداً: حزب الله في القصير بين القلعة ومقام السيدة خولة)

المسيحيّون غادروا الحارة

تقلص عدد المسيحيين في بعلبك، ولا يخفى هذا على أحد، من دون أن يعني ذلك التصديق على «الأهازيج» التي تتهم أطرافاً في المدينة بتهجيرهم. أصابهم ما أصاب الجميع في الحرب، ولكن اللافت، أنهم في سجلات النفوس، يشكّلون كتلة «وازنة» تكاد تكون ثلث السكان. وينسحب هذا على دورهم السياسي في المنطقة، فبين 25 ألف مسيحي مسجّل، لا ينتخب إلا القليل، ويعود هذا إلى التحالفات السياسية في الأصل، على مستوى الأقطاب السياسية في البلاد. ويبدو الحديث عن مسيحيين في بعلبك أقرب إلى حكاية، منه إلى واقع، رغم أن البعلبكيين في السوق يرفعون على وجوههم ابتسامات ناصعة، حين يدلونك إلى موقع «حارة المسيحيين». وسرعان ما تذوب الابتسامات، إذ يشرحون بأسى أن الحارة «رمزيّة» تقريباً. تشير الاحصائيات الى ان عدد المسيحيين كان يقارب ربع الى ثلث سكان المدينة، ويذكر المطران غريغوريوس في رسالته أنه أتى إلى بعلبك في أوائل حكم الدولة المصرية في سوريا سنة 1831، فوجد فيها 27 منزلاً مسيحياً، وهذا كان رقماً كبيراً. وحسب المتابعين، فإن النسبة لم تتغير حتى خلال سنوات الحرب الأهليّة، وقد بدأت هجرة المسيحيين من بعلبك تزامناً مع هجرة الجميع من البلاد، في مطلع التسعينيات.

الاخبار

Script executed in 0.1691210269928