اكتملت التحضيرات الرسمية لإعادة 18 لبنانياً كانوا على متن «عبّارة الموت» الاندونيسية ونجوا من الغرق في بحر سيانجور، إلى لبنان، بعد إصدار البعثة اللبنانية في اندونيسيا جوازات سفر موقتة لهم. ومن المفترض أن يصطحبهم ممثل وزارة الخارجية اللبنانية القنصل ماهر خير مساء اليوم السبت من مطار جاكرتا إلى مطار بيروت الذي سيصلون إليه عند العاشرة والنصف من صباح غد الأحد، بعد محطة في مطار دبي.
وتصطحب البعثة الرسمية الثلاثاء المقبل 11 لبنانياً، خمسة هربوا من «عبّارة الموت» قبل إبحارها، وستة كانوا يواجهون السجن بسبب انتهاء صلاحية تأشيراتهم. وقد سددت الغرامات المالية المترتبة عليهم، على أن تستمر الجهود لإعادة جثث الضحايا بعد الانتهاء من مطابقة فحوص الحمض النووي عليها. وإذا كان ملف الناجين والضحايا يتجه نحو الاقفال بعد الجهود الرسمية التي بذلت، فإن ملف «سماسرة الموت» المتورطين بالتعامل مع شبكات الهجرة غير الشرعية قد فُتح على مصراعيه، إذ أنهت المديرية الاقليمية لأمن الدولة تحقيقاتها مع الموقوفين الثلاثة لديها، وهم المختار ع.ط، وم.ط، وم.م، وقامت بتحويلهم إلى النيابة العامة الاستئنافية التي ستدّعي عليهم بجرم الاحتيال وتسهيل الهجرة غير الشرعية والكسب غير المشروع، ولا سيما أن متضررين رفعوا ضدهم أكثر من ست دعاوى بهذا الخصوص.
وأشارت المعلومات إلى أن المتضررين أكدوا خلال الاستماع إلى إفاداتهم، أن السماسرة كانوا يحاولون استغلال المغرر بهم وسذاجة بعضهم، وإجبارهم على دفع مبالغ كبيرة، ولا سيما عندما يصبحون في قبضتهم في ماليزيا واندونيسيا. ولفت هؤلاء إلى أن كلفة بعض الرحلات تجاوزت 14 ألف دولار أميركي للشخص الواحد، لأن السماسرة هناك كانوا يفتحون «المزاد» أمام المهاجرين والذي يدفع أكثر يُصار إلى تسهيل أموره.
وكشفت مصادر أمنية لـ«السفير» أن الجهود الآن تنصب على توقيف العميل الأساسي الفار إ.ع. الذي يملك كنزاً من المعلومات عن المتورطين في شبكات التهريب في لبنان والخارج، لافتة إلى أنه يتمتع بعلاقات سياسية جيدة جداً، دفعته إلى تطمين المختار ع.ط الى أن أحداً لن يستطيع أن يوقفه لدى وصوله إلى مطار بيروت. وربطت المصادر النشاط المستجد لشبكات الهجرة بالنزوح السوري الكبير إلى لبنان، ومحاولتها إغراء السوريين واستغلال مأساتهم بالهجرة، مشيرة إلى أن آلاف السوريين خرجوا من لبنان بهذه الطريقة ولا أحد يعرف مصيرهم، وأن اللبنانيين دخلوا على الخط مؤخراً نتيجة للتداخل اللبناني السوري القائم في طرابلس وعكار.
إلى ذلك، تابعت البعثة اللبنانية لقاءاتها في اندونيسيا فالتقى الوزير احمد كرامي وزير الدفاع الاندونيسي بورنمو يوسجيانتورو واركان الوزارة، بحضور رئيس الهيئة العليا للاغاثة العميد ابراهيم بشير، القائمة بأعمال السفارة اللبنانية جوانا قزي، ممثل وزارة الخارجية القنصل وائل خير.
وأعلن الوزير يوسجيانتورو عن اتفاق بين رئيس وزراء أستراليا توني ابوت ورئيس اندونيسيا سوسيلو بودويونو يقضي بتسيير طوافات مشتركة فوق المياه التي تفصل بين البلدين من اندونيسيا إلى جزيرة كريسماس الأسترالية لتلافي الهجرة غير الشرعية، مشيراً إلى «أنه بوشر اليوم بتنفيذ هذه الرحلات ما يعني ان الهجرة غير الشرعية ستكون شبه مستحيلة». والتقى كرامي وزير العدل امير شمشودين.
ودعا كرامي، في مؤتمر صحافي، إلى الابتعاد عن المزايدات السياسية في هذه القضية الإنسانية، مؤكدا أن «المعاملات أنجزت وأن الناجين سينطلقون اليوم في طريق العودة إلى وطنهم، وسنصطحب معنا الذين فروا من العبارة والذين كان لديهم مشاكل في الاقامة مع السلطات الاندونيسية». ولفت إلى أن الجثامين تحتاج إلى بعض الوقت لحين انتهاء مطابقة فحوص الحمض النووي، وعند معرفة النتائج سترحل الجثامين، لكن لا يمكننا التحكم في التوقيت الآن».
استعدادات عكار
تحاول بلدة قبعيت استيعاب انعكاسات كارثة العبارة وما تلاها من خفايا طفت على الواجهة، وألمت بغالبية أهالي البلدة بحكم التداخل وعلاقات القربى والزواج. وتسعى إلى استقبال الناجين غداً متماسكة وقوية، «لأن الناجين سيكونون في وضع نفسي صعب، ولا نريد أن نزيد جراحهم التي ستنفجر فور وصولهم إلى عائلاتهم ومنازلهم».
يبدو واضحاً أن الكارثة الإنسانية التي ألمت بمنطقة جرد القيطع وبلدة قبعيت على وجه التحديد قد عمقت الهوة بين أهالي المنطقة والدولة التي لم يعرفوا منها سوى الاهمال. فحضر غياب دور الدولة وإهمالها المنطقة وأبناءها، وفساد المؤسسات، في خطبة الجمعة التي ألقاها الشيخ علي خضر.
في بلدة قبعيت حديث عن رشى دُفعت لأصحاب السلطة والنفوذ ومسؤولين في الدولة لتأمين وظائف لأبنائهم، لكن غالباً ما كانت تتكلل بالفشل، في ظل تواطؤ بعض القيادات الأمنية والسياسية التي تتاجر بحاجة الناس ولهفتهم للحصول على الوظائف.
وفي البلدة لوم على الدولة وأجهزتها الأمنية التي لم تتحرك لمنع الكارثة، بالرغم من تبلغها بذهاب عدد من أبنائها إلى اندونيسيا تمهيدا لترحيلهم إلى أستراليا بطريقة غير شرعية. ويكشف بعض أفراد عائلات الضحايا «أنهم قاموا بالتبليغ عن أبنائهم عندما عجزوا عن إقناعهم بعدم المغادرة، لكن كما جرت العادة فالدولة لا تتحرك إلا عند وقوع الكارثة».
«أنتظر أن أرى ابني حسين لعل رؤيته بخير تعوضني فقداني تسعة من أفراد عائلتي»، تقول والدة حسين الحاجة آمنة خضر، «سنحمل أحفادي بتسعة نعوش، من يمكنه أن يتحمل رؤية تسعة نعوش تخرج من منزله من دون أن ينهار ويصاب بالجنون؟». لم تجف بعد دموع الحاجة على أحفادها، بالرغم من مرور أسبوع على وفاتهم، فالفاجعة كانت كفيلة بفقدان الجدة بصرها كليا جراء ارتفاع السكري وضغط الدم».
داخل منزل حسين استعدادات من نوع آخر، حيث يعمل إخوته وأقرباؤه على جمع حاجات أطفاله الثمانية وألعابهم كي لا تزيد من حسرة الرجل الذي رفض الانصياع لنصائح إخوته، فقام ببيع سيارته، والمولد الكهربائي ورهن المنزل الذي يملكه كي يتمكن من جمع مبلغ 50 ألف دولار. وقام صهره في أستراليا بتأمين المبلغ المتبقي وهو 30 ألف دولار. رحلة الموت قد كلفت 70 ألف دولار من دون احتساب المأكل والمشرب في اندونيسيا لمدة شهرين»، وفق شقيقه نصر، الذي يؤكد أن «الجميع نصحه بعدم المخاطرة بحياته وحياة أطفاله، لكنه كان مصمماً على المغادرة ويردد إما أن نموت معاً أو نعيش معاً».
في غضون ذلك، يستمر العائدون من رحلة ماليزيا بالعودة إلى البلدة، حيث تمكن نحو 20 شخصاً من العودة، باستثناء المختار ع.ط. الذي تم القبض عليه أثناء وصوله إلى مطار بيروت.
الأسماء
يصل إلى مطار بيروت صباح غد الأحد 18 ناجياً كانوا على متن «عبّارة الموت» الاندونيسية، هم: لؤي بغدادي، أحمد العبوة، وسام حسن، مصطفى بومرعي، حسين خضر، أسعد أسعد، محمد محمود أحمد، عمر سويد، محمود البحري، عمر المحمود، إبراهيم عمر، أحمد توفيق محمود، خالد الحسين، خليل الراعي، نديمة بكور، وفره حسن، أفراح ديب وأحمد كوجا.
أما الستة الذين تمت تسوية أوضاعهم ودفع الغرامات عنهم فهم: علي حسن، فرج محيش، نصر الدين حسن، محمد عبد اللطيف، عبد الرحمن عيسى وخضر درويش.
يضاف إليهم ستة هربوا من العبّارة، هم: عبد الله جديد، محمد أحمد درويش، مصـــعب الكك، عـــايدة عوض، آية عـــوض ودعـــاء عوض.