أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

العائدون من موتهم: لا فرق بين البحر وهنا

الإثنين 07 تشرين الأول , 2013 12:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,203 زائر

العائدون من موتهم: لا فرق بين البحر وهنا

لم يكن سريرها على شاكلة الأسرة العادية، لكنها كانت مدللة بما يكفي كي تحظى بمنامة خاصة في الغرفة التي بدت كأنها كل البيت. أول من أمس، بينما كانت شقيقات حسين خضر ينظفن البيت من أشياء عائلته التي سبحت إلى غير رجعة في بحر إندونيسيا، رأين ذلك الشيء الذي نامت فيه الصغيرة سنيّها الثلاث: ذلك المسطح الخشبي «المرقّع» بفضلات أقمشة خاطتها يد على عجل، وتحمله أربعة حبال، كأنها موصولة إلى السماء. مسطح بلا ترف، كانت تنام فيه «المدللة» في الهواء.

قد يكون هذا الشيء الذي سمّوه سريراً جال على الأشقاء قبلها. ربما، كان ذلك قبل زمن. أما اليوم، فلم يعد لأحد. أول من أمس، فكّت عمّة مريم حباله ووضبته مع أشياء أخرى في مكان بعيدٍ عن قلب الوالد المفجوع بتسعة. وعندما يعود، لن يرى شيئاً في البيت الذي صار، بقساوة بحر، فضفاضاً عليه، بعدما كان يضج بعشر حيوات.

أمس، عاد حسين عبر مطار بيروت الدولي مع 17 ناجياً آخرين من العبارة الإندونيسية. وقف في صالون الشرف، بلا شيء، باكياً. لم يستقبله أحد، على غرار البقية. كان يتيماً بلا عائلة. حتى أمه التي بقيت له، أفقدها موت أحفادها بصرها، لم تحضر. جلست تنتظره أمام داره في قبعيت. وهذه مصيبة أخرى لحسين: عينا أمه.

لم ينتظر استقبال السياسيين الذين تهافتوا على مطار بيروت لاستقبال الناجين. تنحّى جانباً ليروي قصته. وهي التي لا يحفظ منها إلا «عيني مريم التي انطفأت في حضني». يبكي بحرقة قبل أن يتابع قائلاً «ضغطت على بطنها لأخرج المياه ولكن ما قدرت، ماتت هي وإخواتها كلن». هكذا، ببساطة يخسر حسين عائلة. بلامبالاة الدولة التي كانت حاضرة لاستقباله في صالون الشرف. تلك التي لم تأبه لرحيله، هارباً من الفقر الذي أغرقته به.

أمس، لم يكن حسين مهتماً بما سيقوله هؤلاء. تماماً كما البقية العاتبون على الدولة «التي كانت على علم برحيلنا»، يقول عمر محمود. كان يستعجل الرحيل إلى قبعيت «بلدة شهداء لقمة العيش»، كما تقول العبارة التي «لبسها» أبناء البلدة. هو واحد من بين 17 كان لديهم الكثير ليقولوه؛ أشياء حقيقية لا يمكن أن يقولها السياسيون الذين غصّت بهم قاعة الشرف. فهؤلاء لا يعرفون ما الذي وصل إليه أبناء الجرد العكاري كي يرموا بحيواتهم في البحر. جلّ ما يعرفونه الأسف بعد وقوع الكارثة. لا يعرفون عن هلوسة العائدين بأسماء المغادرين إلى الله، ولا يعرفون «أننا كنا نحمل المياه بأيدينا لنرميها خارج الزورق، بعدما يئسنا من انتظار السلطات الأسترالية التي أعلمناها أكثر من مرة بمكاننا»، يقول محمد الأحمد. هذا الشاب الذي عاد لأمه سالماً، عاش «أصعب 24 ساعة في البحر». رأى خلالها وجوه «الأطفال الخائفة» التي لم ينج منها أحد. يقول محمد إنه «لا أحد ساعدنا، وكاذب من يقول إن فرق الإنقاذ هي من انتشلتنا من البحر. نحن ساعدنا أنفسنا والموج أيضاً الذي قذف معظمنا إلى الشاطئ». وعند الشاطئ «ساعدنا أبناء القرية القريبة، وحملوا الغرقى إلى مستشفى قريب أكثر من بدائي، وبلّغوا السلطات الإندونيسية».

بقيت الأجساد 48 ساعة بلا تبريد «إلى أن حضرت السلطات التي احتجزتنا ومنعتنا من مغادرة الفندق». ما يقوله الأحمد يقوله معظم الناجين. فلا السلطات الإندونيسية ولا حتى الأسترالية «اهتمّت بنا، تركونا في البحر نموت، حتى إنني اتصلت بهم مراراً وأعلمتهم بالمكان وكل شيء موثّق على هاتفي، فليعطوني الكارت ليسمعوا القصة»، يقول خضر. وأكثر من ذلك، يتحدث خضر وغيره «عن الضباط الإندونيسيين الذين ترددوا على بعضنا في محاولة لتهريبهم أو تصفيتهم، وهؤلاء كانوا تحت أمر أبو صالح».

لكن، يبقى كل هذا الموت أخفّ وطأة من البقاء «هنا»، يقول أحد الناجين لؤي البغدادي. هذا العائد من الموت قال ما يريد الكل أن يقوله «سوف أعيد التجربة وأهاجر بطريقة غير شرعية، لأن الموت هو مصيري هنا أو هناك». وهو يعي ما يقول. فهناك أفضل من هنا لسبب واحد «أن الدولة لم تعرنا اهتمامها. أنا واحد من الذين حاولوا الدخول الى صفوف الجيش اللبناني أكثر من 20 مرة ولم يتم قبوله، ولهذا لجأت إلى الهجرة».

هذا الذي قال عن الكل ما يجب أن تسمعه الدولة، بادرته الأخيرة بالأسف على لسان وزير الخارجية المغتربين عدنان منصور الذي دعا اللبنانيين إلى «أخذ العبرة من هذه النكبة التي حصلت». يعترف منصور بأن في «لبنان مصائب اقتصادية واجتماعية، ولكن هذا الشيء يجب ألا يدفعنا الى السفر بطريقة غير شرعية»، قبل أن يستدرك قائلاً إن «على الدولة المسؤولة عن رعاياها أن تؤمن فرص عمل لتفادي مشاكل كهذه».

أما النائب هادي حبيش، ممثل بلدة «شهداء لقمة العيش»، فقد دعا متأخراً إلى «تشكيل خلية أزمة في عكار لمتابعة ملف العبّارة الإندونيسية». وتذكر زميله النائب علي عمار، في تلك اللحظة المؤثرة، «مظلومية عكار والشمال». وغيره أيضاً تذكر، ومنهم النائب خالد زهرمان. لكن، مهلاً، أين كان هؤلاء عندما خاطر أبناء البلدات التي يمثلونها بعائلاتهم؟ لم لم يهتموا بتأمين وظائف لهم تقيهم العوز، بدل أن يهتموا باستعادة جثامين؟

لن يحدث ذلك، فالتجارب «علمتنا»، يقول العائدون. لن يكترث لهم أحد، إلا من يشبههم في فقرهم، الذين كانوا ينتظرونهم بالزغاريد في قراهم، برغم الوجع. وفي هذا الإطار، نظّّم أهالي بلدات قبعيت وفنيدق وحيذوق وشان استقبالات حاشدة لهم. وكانت بلدة قبعيت التي رفعت لافتات الحزن فوق شوارعها حزناً على أبنائها الذين يمثّلون العدد الأكبر من الضحايا، قد استقبلت أمس كلاً من الناجين حسين خضر وأسعد علي الأسعد وأفراح الحسن. وخلال الاستقبال، أعاد خضر رواية قصته من دون أن ينسى العتب، متمنياً على «الدولة متابعة مساعيها لاستعادة عائلتي التي جمعتها جثة جثة على شاطئ البحر الإندونيسي وحيداً لا سند لي، والسلطات الإندونيسية لم تحضر لنجدتنا». ولم تكن قبعيت وحدها من استقبلت ناجين، فهناك بلدة شان التي استقبلت وسام حسن من بلدة شان، وحيذوق التي استقبلت محمد محمود أحمد، وفنيدق التي استقبلت إبراهيم عمر، وطرابلس التي استقبلت الكثيرين أيضاً.

الاخبار

Script executed in 0.19110202789307