سؤال مؤرق ومشوّق: «هل تريد أن تتجنّب تجسّس وكالة الأمن القومي الأميركيّة؟» جواب سهل ممتنع: «لا تتصل بشبكة الإنترنت!». بهذا الجزم البارع، يختصر أحد الصحافيين المختصّين بتكنولوجيا المعلومات فضيحة الحكومة الأميركية وحلفائها بالتجسس على مستخدمي الإنترنت في العالم.
مستحيل إذاً الهروب من الرقابة والحفاظ على أدنى مستويات الخصوصيّة بناءً على ما سرّبه الشاب اللامع، إدوارد سنودن، الذي عمل مع الوكالة وقرّر فضح هذه الممارسات. اليوم هو مضطهد، مصنّف خارج عن القانون في بلاده ويهيم في ملاجئ، متوجّساً ربما من احتمال الاغتيال.
ولكن رغم كلّ ذلك، تبقى الولايات المتّحدة متألّقة بين المراكز الأولى بحسب مؤشر «حرية الإنترنت 2013» الذي تُعدّه المنظمة غير الحكومية «Freedom House» (بيت الحرية)؛ تحل في المرتبة الرابعة مباشرة وراء ألمانيا وإستونيا، فيما تتصدّر اللائحة آيسلندا.
هذا ما يخلص إليه تقرير المنظمة الهائل (888 صفحة) والذي يشمل أبحاثاً عن 60 بلداً، بدعم سخيّ من وزارة الخارجية الهولندية، من شركة الإنترنت العملاقة «غوغل»، وطبعاً من العم سام نفسه ممثلاً بـ«مكتب الديموقراطية، حقوق الإنسان والعمل» في وزارة الخارجية الأميركية.
من حسن الحظ أن لبنان مصنّف بين هذه التشكيلة، كجزء ولو صغير من هذا العالم الذي يُغرّد فيه 100 مليون ناشط يومياً على موقع «تويتر» ويُقارب فيه العدد الإجمالي لمستخدمي «فايسبوك» 1.3 مليار شخص، أضحت الحياة الإلكترونية أكثر إغراءً وغنىً من ملل الحياة العاديّة. ومع هذا الغنى، يتكرّس شعار الرقابة: نكون حيث تكون الحركة؛ الهدف ملاحقة الناشطين والحقوقيين (وطبعاً المخربين والإرهابيين!)
الحركة في لبنان ازدادت أخيراً مع تصعيد مكتب مكافحة الجريمة الإلكترونية نشاطه عبر استدعاء المدوّنين والصحافيين. تلك الحركة، إضافة إلى طبيعة القوانين السائدة في القطاع ومستوى تطوّره، تُشكّل المعطيات الإجمالية التي تجعل لبنان يحلّ في المرتبة 31 عالمياً، ويكون مباشرة وراء ماليزيا والمغرب وتونس، ومتقدّماً على ليبيا والأردن وكمبوديا؛ وعلى مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يحلّ ثالثاً بين 11 بلداً يشملها البحث.
ويراوح المؤشر الإجمالي بين صفر ومئة نقطة – كلّما زادت النقاط ضعفت الحرية. ولإعداده يتم اللجوء إلى مؤشرات ثانوية، أوّلها مؤشر «العوائق أمام الولوج إلى الشبكة» ويسجّل لبنان 14 نقطة على 25. ثانياً، مؤشر «الحدود المفروضة على المحتوى» التي يُسجّل فيها لبنان 10 نقاط فقط من 35. ثالثاً، «اغتصاب حقوق المستخدمين» وأداء لبنان هنا هو 21 نقطة من أصل 40.
حسب معايير التقويم العام، يجمع لبنان 45 نقطة، وبالتالي يحقق حرية جزئية في استخدام الإنترنت. الوضع على هذا النحو لمجموعة من الأسباب. أوّلاً، يُسجّل قمع أو حجب بعض التطبيقات الخاصة بالتواصل و/ أو الإعلام الاجتماعي. ثانياً، تشهد البلاد من فترة لأخرى اعتقال مدوّنين أو مستخدمين عاديين لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات لكتابات سياسية واجتماعية. ثالثاً، تسجيل حوادث اعتداء على مدوّنين أو ناشطين في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. رابعاً، الاعتداء على أو التعرّض لمنتقدين للحكومة أو منظمات تعنى بحقوق الإنسان.
يستند معدّو التقرير إلى بيانات عام 2012 التي تفيد بأنّ معدل مستخدمي الإنترنت في لبنان يبلغ 61%. ويُشيرون إلى أنّ مؤشّر حرية الصحافة – الذي تُعدّه المنظمة نفسها – يضع البلاد في خانة الحرية الجزئية أيضاً.
«لطالما تميز لبنان بحرية التعبير والصحافة، وخصوصاً لدى المقارنة مع العديد من البلدان في المنطقة» يقول التقرير، مشيراً إلى أنّ انطلاق خدمة الإنترنت في البلاد عام 1991 كرّس هذا الوضع، حيث أمنت قنوات إضافية للبنانيين للتعبير عن رأيهم والاحتجاج على أي ممارسة ممكن أن تقيّد حرياتهم. «ولكن في الوقت نفسه، تعاني وسائل التواصل الحديثة من لوثة الإعلام التقليدي، وتتمثّل في الانقسامات الطائفية، والتعصب الحزبي والقوانين المبهمة، إضافة إلى البنية التحتية الضعيفة». وغالباً ما تُعزى هذه المشاكل إلى «معاناة الاقتصاد والفوضى السياسية المستمرة».
يُبرّر معدّو التقرير عدم لجوء المسؤولين إلى الحجب والفلترة على شبكة الإنترنت بخشيتهم من أن تؤدّي خطوات كهذه إلى استهداف فريق سياسي طائفي على نحو غير متوازن. ولكن رغم هذا الوضع، «تبقى المواد القانونية المتعلقة بالتشهير والقدح والذم تمثل الخطر الأكبر الذي يحيق بمستخدمي الإنترنت والصحافيين». وإجمالاً تكون القضايا على هذا الصعيد مسيسة كثيراً.
هكذا لدى تقويم الحريات، يُشير التقرير إلى أنه خلال العام الماضي ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام التقليدية بقصص حول حالات اعتقال، واستجواب وتهديد استهدفت ناشطين على الإنترنت ومدوّنين ومستخدمي الإعلام الاجتماعي.
وفي هذا السياق، يذكر التقرير قضية الزميلة المدونة عبير غطاس التي استدعاها الأمن الداخلي واستجوبها على خلفية مادة نشرتها على مدونتها عن المدير التنفيذي لشركة «سبينس»، مايكل رايت. وتبرز قضايا أخرى مشابهة مثل تعرض المواطن بيار الحشاش للاعتداء بالضرب بعد انتقاده ازدحام السير عند دوار مسمّى تيمناً بقائد الجيش؛ وتوقيف الشبان نعيم حنا وأنطوان رميا وشبل كساب عام 2010 بسبب انتقادهم رئيس الجمهورية؛ كذلك «يُفيد المدوّن عماد بزّي أنه تم اعتقاله واستجوابه وتهديده مع ستة مدونين آخرين، مرات عديدة بين عامي 2005 و2010، رغم أن الدليل لم يكن واضحاً».
يُعلّق معدّو التقرير أهمية كبيرة على الإصلاحات القانونية الخاصة بحوكمة قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، إضافة إلى تطويره على مستوى البنى التحتية والأوجه الاقتصادية المختلفة في لبنان. «إذا تحققت الوعود على هذا الصعيد، تُعيد البلاد تأكيد وضعيتها التقدمية على مستوى العالم العربي». أما من جهة أخرى «إذا فشلت البلاد في إقرار القانون، أو أسوأ من ذلك، إذا طبقت إحدى الصيغ الضعيفة التي اقتُرحت خلال السنوات الماضية، فإنّ لبنان يُخاطر بالتدهور إلى بلد جائر في مجال الإنترنت حيث تكون الحقوق بالخصوصية وبالولوج إلى المعلومات مصادرة من قبل السلطات».
يذكر التقرير أنّ «بعض التطورات على مستوى البنية التحتية والسياسات العامة المتبعة تشير إلى مستقبل أفضل، غير أنّ انهيار الحكومة وتدهور الأوضاع نتيجة الصراع السوري تعاكس هذا المسار».
وليس انهيار الحكومة وحده ما يؤدّي إلى التأخر، إذ يخصّ التقرير هيئة «أوجيرو» وإدارتها بإشارة خاصة للإضاءة على مصاعب لبنان وويلاته. يقول: «تدير أوجيرو شبكة الهاتف الثابت وشبكة الإنترنت؛ وهي هيئة عامّة يديرها عبد المنعم يوسف. وللسخرية، يشغل يوسف أيضاً موقعاً في وزارة الاتصالات التي تراقب عمل أوجيرو»!
كذلك يُشير التقرير إلى التدخلات السياسية التي تؤثّر على عملية التعاقد مع شركات الإنترنت في القطاع الخاص، أي مقدمي الخدمات (ISPs).
من دون صلاحيات
يتحدّث التقرير عن أداء متفاوت في القطاع، حيث تُسجّل بعض الخطوات إلى الأمام وأخرى إلى الوراء نتيجة الأوضاع السياسية. ويلفت إلى أنه «رغم بقاء الأسعار مرتفعة نسبياً، إلا أن ذلك لا يردع معظم اللبنانيين، وتحديداً الشباب، من استخدامها على نحو مكثف». على المستوى القانوني، يذكر التقرير أنّ قطاعي الإعلام والاتصالات في لبنان مقوننان عبر ثلاث هيئات عامّة شبه مستقلة ترفع تقاريرها إلى مجلس الوزراء «المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع»، «الهيئة الناظمة للاتصالات» واللجنة الفرعية المختصة المنبثقة عن اللجان النيابية المشتركة. «ولكن عموماً، تبقى هذه الهيئات الثلاث من دون صلاحيات إجمالاً وتفشل في لعب دور الهيئات الرقابية المستقلة في دولة حديثة».