رحل الصافي، ورحلت معه “الضيعة” و”المرجات” واتّكأت “العريشة بالفيّات” على كتف الدار، وجفّت مياه “البير والنبعات” ، وحلف العصفور أن لا يعود الى غصنه، وشهِقت الصبية حزناً، رحل ولا تزال وصاياه في قلوب عشرات الأبناء ممن تركوا قسراً وطنهم ”قطعة السما” تضجّ في قلوبهم وهم بمصيرهم لا يدرون. “ولو هيك بتروحوا وبتطلعوا منا”؟
رحل المارد وترك الأقزام تتنازع حول حاضر نزِق يعاني من هبوط الذوق وهشاشة الكلمة وانحدار المعنى، وبرحيله تسقط إحدى آخر وريقات الفن الأصيل من شجيرات خريف الأغنية اللبنانية.
غنّى الصافي للأرض والقرية والوطن والإنسان والحب والجمال، وصدح صوته من مشرق الكرة الارضية الى مغربها، في دور أوبرا عربية وغربية وفي المسارح والمهرجانات العربية والعالمية. وترك بصماته على أعمدة بعلبك، ومدرجات جرش، وصور ومسارح تونس والقاهرة وبغداد.
غنّى وأطرب وأضحك وأبكى وأثار شجون وفنون وهموم وسرور من سمعه ومن حضره، فصوته جمع تضادان: الجبروت و”الحنّية”، الفرح والحزن، القوة والضعف.
رحل الرائع في هذا الوقت البائس، تعب القلب من مشاهد هذا الزمن العربي المُخزي، لكن الحزن على فراقه جمعنا، فقد ترك معظمنا يبحث في عشرات الأعمال التي شارك بها مع أعمدة الفن الراحلين أمثال عاصي ومنصور الرحباني ونصري شمس الدين، نغرق آذاننا الى حد الثمالة في الاستماع إليه علّه يسمعنا فيعود، لكن هيهات!، غير أن ما يعزّينا ان صوته سوف يبقى مرفرفاً كروحه فوق سماءاتنا ويتغلغل في ارواحنا كل ما اشتقنا اليه.
انه الصافي الذي رحل بهدوء عن هذا الكوكب الصاخب، رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه.