أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

صغار يتابعون الأخبار ويتدرّبون على القتال

الإثنين 14 تشرين الأول , 2013 08:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,340 زائر

صغار يتابعون الأخبار ويتدرّبون على القتال

ياسمين شواف - السفير 

«قُضي عليك»، يصرخ المسلح ولا يُسمع بعدها سوى صوت طلقتي رصاص وحفيف ارتطام جسد عبدالله النحيل بالأرض.

كان عبدالله يقود سيارته مسرعاً إلى البيت بعد أن أقلقه الانتشار المسلح الكثيف في أحد شوارع العاصمة. لكن لسوء حظه، اضطر إلى الوقوف عند حاجز لا يبدو أنه لإحدى مؤسسات الدولة. يظهر مدجّجٌ بالسلاح ويسأله: «سني أو شيعي؟». يحتار ويفكر للحظات بدت وكأنّها سنوات. يشعر بملوحة العرق الذي يتصبب من جبينه حارقاً عينيه. يتردد، يطلق تنهيدة يمتزج فيها الخوف باليأس، ويجيب. غير أن إجابته لم تكن كافية كي تنقذ حياته.

ما إن يسقط عبدالله، حتى تنتهي اللعبة ليتبادل الأطفال الأدوار ويتغيّر السيناريو تجنّباً للملل. يسلم فيصل «الكلاشن» إلى صديقه الذي، بدوره، يعطيه غطاء علبة اللبنة أي «المقود».

ما عاد الادعاء أنهم جنود أو شرطيّون ممتعاً لأطفال اليوم. فهذه ألعاب كلاسيكية بعيدة عن مجتمعهم الذي ضعفت فيه مؤسسات الأمن وخسرت رونقها، بل صار سيناريو الحرب والسيارات المفخخة يستهويهم ويشوّقهم. ما عادت ألعابهم تتمحور حول صراع الخير والشر (كاللصوص والشرطة)، إنما اتّخذت طابعاً عنيفاً بصبغة طائفية.

يتخوف الدكتور مروان غرز الدين، وهو معالج نفسي عيادي، من هذه الظاهرة، مؤكداً أنها تبعث ذكريات من الحرب الأهلية. يشرح غرز الدين أن ثقافة اللعب هذه تبيّن أن مفاهيم الحرب والسلاح والأذى باتت تبدو جذابة للأطفال، ما يَحملهم على الاستخفاف بالموت وفعل القتل. ويشدد على أن «الأهل يلعبون هنا دوراً مهماً في تثقيف أبنائهم وإفهامهم حقيقة الحرب وآلامها».

 

القلق والخوف

 

استناداً إلى دراسة أجريت في العام 2006 إثر العدوان الإسرائيلي على لبنان، وشملت 6500 طفل، يشير الدكتور غرز الدين إلى أن ما أثّر كثيراً في الصحة العقلية والنفسية للأطفال وشكّل صدمة (Trauma) لهم في أغلب الأحيان هو انفصالهم عن أهلهم أو تفكك أسرتهم أو خسارة أحد أفراد عائلتهم. أما الأطفال الماكثون في مناطق «آمنة» فلا تظهر عليهم العوارض ذاتها، إلا أنهم يتأثرون بالتشرذم والنزاع الإعلامي المتواصل بين مختلف الأفرقاء في لبنان، إذ بدأ الأطفال يتشرّبون الخلافات التي ظهرت عبر وسائل الإعلام وتبنّاها الراشدون.

انطلاقاً من هذه المعطيات، يؤكد الاختصاصي نفسه أن الاختلاف المفصلي بين حرب تموز والوضع الأمني الراهن يكمن في ضبابية صورة الحل المتوقع للأزمة الواقعة. «اليوم لا نعرف كيف ومتى سينتهي الصراع»، يقول غرز الدين متابعاً: «ذلك يولد القلق والخوف في نفوس الكبار. ما قد ينتقل إلى الصغار».

يضيف: «الأولاد يشعرون بالقلق حين يرون أحداثاً تجري من حولهم ولا يفهمونها ولا يجدون من يناقشون معه»، ويشير إلى أنه في مثل هذه الحالة على الأهل أن يناقشوا أطفالهم في الأوضاع التي تحيط بهم وتقلقهم. مما يساعد في بث الطمأنينة والأمان في نفوسهم.

يختم غرز الدين قائلاً: من خلال خبرتي وعملي في لبنان طوال 15 عاماً، أؤكد أن هناك رابطاً واضحاً بين حال البلاد والوضع النفسي والعقلي لمن يقصدون عيادتي. فعندما تزداد الأحوال سوءاً وتأزماً تتراجع حالتهم وتزداد العوارض عندهم.

 

«الواجب»

 

تجول في شوارع العاصمة ليترجم حديث الاختصاصي أمامك. ما إن تقارب الأطفال محدثاً حتى يتبين لك أنهم ليسوا بعيدين عن الأجواء السائدة في البلد ولا هم صغار على تكوين رأي خاص ونظرة تكون في بعض الأحيان فريدة وفي أخرى نسخة عن تلك الخاصة بأهلهم.

علي صبيٌّ في العاشرة من عمره خسر أحد أشقائه الستة ومعه براءته جراء عدوان تموز 2006. وفي الآونة الأخيرة أعادته مشاهد التفجيرات في طرابلس والضاحية سبعة أعوام إلى الوراء. اليوم وبعدما شعر بخطورة الأوضاع، كما يروي، حمل «فرد الماء» ليتدرب على القتال، فيكون بذلك مستعداً لمواجهة أي عدوان جديد قد يعرّضه وعائلته للخطر». فصار كل ما يقوم به في حياته مسخَّراً لأداء دوره كحام لعائلته وأحبائه ولتلبية ما يسمّيه «الواجب». ويشعر السامع وكأن الخوف العفوي الطبيعي صار غريباً عن هذا الطفل.

من جهة أخرى، لم يكن طارق ابن التسعة أعوام يوماً في دائرة الخطر المباشر. إلا أن ما يراه عبر الإعلام ويسمعه من أحاديث ونقاشات الكبار أرعبه. حتى أنه صار يتمنى أن يبني سفينة تحمله وأحباءه إلى بر الأمان بعيداً عن حلقة الرعب التي يعيش فيها اليوم.

أما كريم صديق طارق، فيدهشك مدى اطّلاعه على الأخبار الأمنية المستجدة ووعيه السياسي. إلا أن حديثه صدى ما يقوله أهله. لا يصنف كريم القتل كجريمة، بل يعتبره في الوضع الذي نعيش فيه «دفاعاً عن النفس». يتنكر فجأة بدور المحلل فيتنبأ من هي الجهات وراء التفجيرات والإخلال بالأمن. وقد شاهد هذا الطفل على شاشات التلفزيون أطفالاً في طرابلس يحملون السلاح وكأنه لعبة، وهو يرفض أن يعتبر نفسه أقل شجاعة من أترابه الطرابلسيين.

 

الطفولة

 

تؤكد الاختصاصية في علم النفس غانية كبارة، أنه من المرجح أن تتجلى عند الكبار عوارض ما تعرّضوا له في صغرهم، ونسبة ذلك متعلقة بعوامل عدة:

أولاً حدة الصدمة وحالة العنف التي يختبرها الطفل.

ثانياً الجو الذي يعيش فيه الطفل والظروف الحياتية التي يمرّ بها بعد الحرب أو الحدث الإرهابي. فالولد الذي يعيش لاحقاً في جو آمن ومحبّ وسط أسرته، قد لا يتأثر بقدر من يعيش في منطقة نزاع مستمر.

وتؤدي شخصية الولد ومكوناته الجينية التي يرثها من أهله دوراً مهماً في قدرته على تجاوز المهنة وتقبلها.

وتتحدّث كبارة عن عامل المرونة والتأقلم (Resilience) الذي تعتبره مهماً وأساسياً نظراً إلى أن الشعب اللبناني طوّره في وجه الحروب والعمليات الإرهابية المتكررة التي يتعرّض لها وتخلّ بمحيطه.

تشدد الاختصاصية على ضرورة معالجة الأطفال ومساعدتهم لتخطي أي حالة مستعصية قد يمرون بها جراء أحداث أمنية عنيفة وعدم تركها تكبر أو تنضج معهم. وترجح أن تكون بعض حالات «الزعران» اليوم، هي نتيجة الحرب.

بالفعل، على حد قول كبارة، يمكن للطفل الذي يشهد حروباً وانفجارات وأعمال عنف، أن يبلور شخصية تميل إلى العنف. وتشير إلى دراسات عدة أجريت أخيراً تظهر أن نوعية الأفلام والرسوم المتحركة والألعاب الإلكترونية التي يشاهدها الطفل تولد عنده قابلية للعنف.


Script executed in 0.19180297851562