من هي الحاجة حياة؟ أسأل الجميع قبلاً. هناك اجاباتٌ كثيرة على هذا السؤال. لكن الإجابة الحقيقية الوحيدة التي ينبغي للجميع أن يفكّر بها هي: إنها الأخت الصالحة التي رفضت أن يترك اخوتها في الأسر. إنها مصداق القول: إننا قومٌ لا نترك أسرانا في السجون. النساء كالرجال، سواسية. هذه هي الحاجة حياة، بكل بساطة.
هي إمرأةٌ عاديةٌ قادتها الظروف كي تكون هكذا. لم تترك أهلها في الأسر وجلست تبكيهم وحيدةً، لقد جعلت من قضيته قضية “العالم”، قضيةً أساسية جعلت دولاً تتحرك لأجلها، بماذا تختلف هي عن بيتي ويليامس ومايريد كوريغان الإيرلنديتين، أو ليلى خالد الفلسطينية، أو آنج سان سو كيي البورمية اللواتي رفضن أن ينوء أهلهم تحت نير الظلم والنسيان! لقد رفضت هذه المرأة البسيطة أن يكون الصمت والبكاء حلها الوحيد، فرفعت الصوت عالياً وملأت الدنيا ضجيجاً، فكانت الإشراقة في الختام.
الحاجة حياة لا يراها كثيرون كما أولئك النسوة المناضلات، لا يردن أن يروها هكذا، لأن الحاجة حياة تعرّيهم، تظهر كل مواطن عنصريتهم وطائفيتهم، هي ببساطة امرأة ترتدي حجاباً، وهو أمرٌ ينافي “النضال” حسبما يرون، هي امرأةٌ تتحدث عن حرية أحبتها، بينما هم يريدون امرأة تتحدث عن “ثوارٍ” في الكونغو وما أبعد. هي تتحدث لغةً مباشرةً بسيطة وهم يريدون كلاماً معقداً صعباً لا يفهمه إلا قلة. باختصار هم يريدونها ثائرةً كما يحبون أن يروا الثائرات، لا كما هن الثائرات حقاً.
ضايقت شخصيتها كثيراتٍ قبل كثيرين، ضايقتهن لإنها من طائفةٍ تضايقهن. كثيرات اعتدن أن يرى الفتاة/المرأة المحجبة على أنّها أقل منهن، أقل “فهماً”، أقل “حركةً”، أقلُ في كل شيء. ما فات هؤلاء أن غطاء الرأس مجرد غطاء يغطي الشعر ولا يغطي العقل أبداً متى ما أرادت الفتاة ذلك! هم يريدون احضارنا إلى قنواتهم التلفزيونية للتندر والسخرية وحتى الشفقة من انجابنا لأطفالٍ كثر، ومن فقرنا، ومن عوزنا، ومن ظروفنا الاقتصادية الصعبة، هم لا يريدون أن تظهر امرأةٌ اعتادوا الشفقة من شعبها وأترابها كي تقف بوجوههم وتصرخ: الحرية! هم ينتظرون أن تصرخ “أعطوني” أو “العطف” وهي لم تفعل! ولن!
تشبه الحاجة حياة، أم أي واحدٍ فينا، تشبه أمهاتنا حقاً. من يذكر منا كيف كانت والدته تدافع عنه عندما كان صغيراً، كيف كانت لا تسمح لأحدٍ بإيذائه، كيف كنا نهرع إليها لنبكي عندها عند أي احساسٍ بالخوف أو الظلم. هي لم تفعل أكثر من دورها الحقيقي في الحياة، كانت أماً لأطفالها، وأماً للجميع حتى. في غيابهم تصبح هي الأم والأب، تصبح هي الدرع والروح، تصبح هي منارة عودتهم.
الحاجة حياة، نالت نصيبها من القدح والذم، رغم أنّها لم تقدّم نفسها في أي لحظةٍ من اللحظات على أنّها شخصية إعلامية، أو بطلةً أو “نجمة”، فجل ما فعلته هو تقديم “قضيتها” على نفسها. هذا الأمر لم يرضِ كثيرين، هم يعبدون الشخصيات، وهي لم تقدم لهم ما يعبدونه، هي فقط ببساطة اهتمت بعودة الأهل أكثر من اهتمامها بالأضواء المنصبة عليها، بل إنها حتى استعملت تلك الأضواء ولم تقع فريستها! كثيرات من يعشن تحت الأضواء، قليلات من يعشن خلالها!
هي امرأة عادية، ستعود اليوم إلى عملها المعتاد الصامت، لن تعود للمطالبة بضجةٍ إعلامية حولها، لن تقوم بإنشاء جمعية تأخذ التبرعات من الدول المانحة والإتحاد الأوروبي، لن تجعل من نفسها طعماً لتدمير بلادها، هي ببساطة ستعود كي تكون الأنثى التي تكونها دون أن تفكر في الأمر مرتين. هي باختصار تشبه كل نسائنا، أمهاتنا، اخوتنا، أحبتنا. كلهن!
بانوراما الشرق الاوسط