أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

بئر العبد تحتفل: حكايات كثيرة يرويها المحررون

الإثنين 21 تشرين الأول , 2013 08:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,424 زائر

بئر العبد تحتفل: حكايات كثيرة يرويها المحررون

هذه الضاحية الجنوبية المجبولة بالأدعية والصلوات، لشدة ما تشعر بالتهديد، تبتهل من جديد، بعودة معتقلين. فقد وجدت في عودتهم فرصة للاحتفال، كما وجد شبانها الفرصة لإشعال المفرقعات، وإطلاق الرصاص، وقيادة الدراجات من دون وازع.

عند مدخل الزاروب المفضي إلى مقر الحملة، كانت تصدح أناشيد «حركة أمل»: نبيه بري والسيد موسى الصدر، وزينب لن تسبى ثانية. يعاد بثها مراراً وتكراراً من أجل زيادة الحماسة بين المتجمهرين. وبين فينة وأخرى تتقدم مجموعة فتية، وتقف قبالة الباحة، ثم تبدأ بالهتاف: «علي علي علي، شيعة شيعة شيعة».

وعلى طول اوتوستراد هادي نصرالله، بدءاً من روضة الشهيدين حتى المعمورة، اتفق الفتية على الاحتفال بقيادة الدراجات النارية بالسرعة القصوى، تعبيراً عن فرحهم، بينما كانت زخات المفرقعات تصعد إلى السماء عند كل خبر تبثه شاشات التلفزيون عن موعد إقلاع الطائرة من اسطنبول. وقد استغلت مجموعات من الأطفال المناسبة من أجل إشعال المفرقعات، بشكل مستمر، مشاركة في الاحتفال أو ظنا منها أن أيام العيد مستمرة.

عند العاشرة ليلاً تقريباً، بدأ التجمع يكبر، ثم فاجأت عروسٌ الحفلَ عند مدخل الزاروب، وأخذت ترقص مع عريسها، فتجمهر الناس حولها. حملت علم «حزب الله» وأخذت تلوح به، ووضعت لها أغنية: «يا عروس يم الطلة البهية». وبعد انتهائها من رقصتها، لوحت بالوداع للمحتشدين، وأرسلت لهم قبلا في الهواء، قبل أن تعود إلى عرسها.

وعند العاشرة والدقيقة الثالثة والأربعين، ظهر المحررون على شاشة التلفزيون، وهم ينزلون من الطائرة. فاحتجت جمهرة من الرجال والنساء والأطفال على ابن صاحب محل لبيع المواد الغذائية، قرب مقر «حملة بدر»، لأنه يتابع إحدى المباريات الرياضية. فقد تحول المحل إلى ما يشبه صالة سينما صغرى، يقف الناس على بابه بالصف في انتظار مشاهدة المحررين في المطار. ولم يخطر في بال من حضروا منبر الخطابات والباحة، قرب مقر الحملة تجهيزه بشاشة تلفزيون، وإنما امتلأت الباحة بمراسلي المحطات التلفزيونية الذين ركزوا آلات التصوير أمام مجموعة نساء وأطفال وبضعة رجال، ينتظرون خلف الحاجز مجيء المحررين. وشكل ذلك التجمع الصغير، مادة للصور التي بثت لساعات عبر المحطات. 

لدى وصول المحررين، جاء وقت الجد، وحلت العيارات النارية مكان المفرقعات، فاختبأ عدد كبير من المحتشدين في مداخل المباني، خوفاً من الرصاص الطائش الذي طالما أصاب مواطنين في احتفالات سابقة. فتمنى عريف الحفل على مطلقي الرصاص التوقف عن ذلك، لكن صوته لم يصل إليهم. 

عند الحادية عشرة والنصف تقريباً وصل عباس شعيب إلى مقر الاحتفال، القريب من منزله. وكان يفترض إن يأتي إليه جميع المحررين من «حملة بدر»، لكنهم غادروا إلى منازلهم بسبب التعب.

رُفع عباس على الأكف، وأخذت النسوة ينثرن الأرز من الشرفات. ويمكن القول إن عباس تناتشته الأيادي، حتى تمدد جسده بينهم، وكادت ملابسه تنزلق عن جسده، مع ترداد عريف الحفل عبارة: هذه الضاحية ترفع مجدداً رايات النصر. ثم ما لبث أن انتبه إلى المبالغة في التعبير، فتوجه إلى المحتشدين بالنداء: «لو سمحتم اهدأوا. الشباب تعبانين». وبعد ذلك خطب كل من النائبين علي عمار وغازي زعيتر، وتحدث عباس شعيب بكلمات مقتضبة قبل أن تنفض الحشود منتصف الليل، أو بعده بقليل.

 

اليوم التالي

 

أمام الحملة، انتهت الاحتجاجات، صفت الكراسي، وأخذ عباس في اليوم الثاني على وصوله، يستقبل المهنئين، ويدلي بالأحاديث الصحافية والإعلامية. 

حكايات كثيرة، سيرويها المحررون، عن علاقتهم برجال اعتقلوهم، كانوا إلى الأمس القريب أشقاء، سجل علي حسين عباس يوميات الاعتقال، وملأ دفتراً من مئتين وخمسين صفحة، لكن الدفتر بقي في المعسكر، لأن الخاطفين طلبوا منهم قبل نقلهم إلى تركيا ترك أغراضهم في الغرفة، وكانوا هم يعتقدون أنه يتم نقلهم إلى مكان آخر وليس الإفراج عنهم.

يروي أبو علي صالح وهو أول محرر من أعزاز ظهر في الصورة داخل الطائرة، أن أكثر اللحظات التي تعرضت فيها حياة المخطوفين للخطر كانت لدى حصول ثلاثة أحداث: الأول عندما قصف الطيران السوري المنطقة التي يقيمون فيها في أعزاز، وسقط صاروخ مباشرة خلف المنزل الذي وضعوا فيه، لكنه لم ينفجر، ولو انفجر لطار المنزل وطاروا هم معه. الثاني عندما نقلوا إلى منزل أرضي، وسقطت القذائف المدفعية حول المنزل أيضاً، إحداها خلف الجدار مباشرة، ولكنها لم تنفجر. والثالث عندما كانوا في معسكر جبل صيدنايا نياماً مع الحارس، وما لبثت أن اخترقت عبوة متفجرة أحد جدران الغرفة في اتجاه الجدار المقابل، وتساقطت عليهم الأتربة من أحجار الباطون مثل حبات الأرز. 

ويقول إن «الخاطفين كانوا يعلنون لنا تبعيتهم للجيش الحر، وليس كما كان الجيش ينفي في الإعلام. وقد تشكل منهم أصلا لواء التوحيد وهو غير لواء عاصفة الشمال. أما تمويل اللواء فكان من معبر باب السلامة الحدودي مع تركيا، ويمثل بالنسبة لهم مزراب ذهب من تجارة البضائع المهربة».

يضيف صالح: «كنا نتناقش معهم في قضيتنا وضرورة الإفراج عنا. في البداية أجابوا أنهم تلقوا إخبارية بأننا من الحرس الثوري الإيراني، لذلك اعتقلونا، وعندما عرفوا أننا لبنانيون، قالوا إنهم لا يستطيعون الإفراج عنا لأن القوات الأخرى ستنتفض عليهم». 

ويعتقد أن «تسريع عملية الإفراج جاءت بعد حصول مشاكل بينهم وبين قوات داعش، لأنهم اقتحموا معاقلهم. وعندما استشعروا بالخطر نقلونا من معسكر جبل صيدنايا إلى معبر باب السلامة». ويوضح أن جهاز التلفزيون كان متوافرا لديهم بشكل دائم، مع لاقط إرسال الساتلايت. ولكن قبل عيد الأضحى بيوم واحد قطعوا عنهم الساتلايت لأنهم لم يكونوا يريدون لهم معرفة تطورات قضيتهم، كما قطع عنهم الطعام لمدة ثلاثة أيام. 

يؤكد أنهم أفرجوا عنهم يوم الأربعاء الماضي، ولم يهددوا حياتنا ولا مرة، ولم يتعرضوا للتعذيب. لكن المسؤول الذي خلف أبو إبراهيم لم يلتق بهم نهائياً. ويؤكد أنه كان في استطاعتهم الهرب أكثر من مرة، لكن خافوا من الضياع في أرض لا يعرفونها. 

وينهي صالح كلامه، بالحديث عن ممازحة الحارس: «كان يخبرنا أنهم سيحررون سوريا من بشار الأسد والأردن من الملك عبدالله، ولبنان من حزب الله لأنه يقف مع بشار الأسد، والعراق من الشيعة المؤيدين لبشار، وبعد ذلك سيكملون نحو فلسطين لتحريرها، فيضحك المعتقلون، ويقولون: إن أهدافكم تبدو متواضعة».


Script executed in 0.16563701629639