أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

عودةٌ ميمونة

الإثنين 21 تشرين الأول , 2013 09:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,497 زائر

عودةٌ ميمونة

 وقد بدا الجسم الإعلامي الذي تابع عن قربٍ شديد مجريات هذه القضية منذ سنة ونصف السنة، شريكاً بالحدث تألفه وجوه الأهالي وكلماتهم، كأنه بدوره يحتفل بإقفال الملف على نهايةٍ سعيدة نادراً ما ندركها في هذه البلاد.

ومنذ التطورات العسكرية للانقسام السياسي الذي عاشه اللبنانيون بين فريقي 8 و14 آذار، قلّ الاتفاق على موضوعٍ موحّد للنقل المباشر، إن لم يكن الحدث انفجاراً أمنياً مفاجئاً تبرهن تغطياته المختلفة أن الصورة الموحّدة لا تعني همّاً جامعاً وإنما رافعةً لتعميق الغضب المتبادل. أما صورة الأمس فأتت مختلفة تتلاءم مع مزاجٍ سياسيّ خيّم مؤخراً على المنطقة الماضية في إحصاء مصائبها الراهنة والظلم. لكنها صورةٌ تتلاءم أيضاً مع مزاج الناس المنهكين هنا. لساعاتٍ قليلة أمس، شعر المرء براحة أن تكون شاشات البلد مشغولة بنقل حدثٍ لا يرتفع معه منسوب الرعب، ولو أن رصاص الابتهاج فخّخه. لساعاتٍ قليلة، استحال التسعة الآتين من مشربٍ سياسي وطائفي ضارب في جذورهم وشديد العلانية، مواطنين تنطق باسمهم (عن حق أو عن وهم) وجوه عائلاتهم التي تنتظر وتبكي وتفرح وتغضب. وعندما وصلوا وحكوا ما يستحضر الطائفة كثيراً، وعندما تصاعدت الخطابات الطوباوية التي تستحضر كافة أسباب الخلاف في معرض الدعوة للقفز فوقها، بدت الآذان وكأنها تميل في هذا النهار إلى الاستكانة لصالح العيون. صُمّت عن سماع الإختلاف الذي يعني الكراهية هنا، لتتيح مجالاً للوجوه التي تترجم تعب تسعة رجال وتسع عائلات على أقل تقدير، وفرحهم.

مساء أمس الأوّل، بدا التلفزيون اللبناني، بمختلف نكهاته وخبراته، موحّداً وكأن كلمة سرّ جلّلت رؤوس الجميع فيه، من أهل الشاشة إلى ضيوفها المنتظرين فالخطابات الرسمية. كلمة سرّ لا يمكن فصلها عن تغيّرات السياق السياسي، الإقليمي والعالمي. فتحلّت شاشات التواصل الإجتماعي بحريّةٍ أكبر في التعبير عن انقسامٍ ما بين التباهي بالنصر السياسي، الإنبهار بسريالية اللحظة السياسية، أو التواضع أمام ضيق أفق الفرح: فأتى التباهي بحلفٍ يمتلك من القوة ما يكفيه لينجز برنامج أعماله المعلن، وأزهرت السريالية نكاتاً لا قعر لها ولا سماء تحدّها حول «شكراً قطر»، أما ضيق أفق الفرح فبديهيّ. ومع ذلك، حُفظت مساحة المباركة بالسلامة، كأرضية تلاقي لا بد أن الشاشات ساهمت في بثّها، بعيداً عن كلمة السرّ والنقاشات الواجبة.

ولا تقف الشاشات على قدم مساواةٍ في هذه التغطية تحديداً. فيُنظر إلى «المنار» على انها الأم «البيولوجية» للمخطوفين، بينما مارست «الجديد» و«المؤسسة اللبنانية للإرسال» الأمومة بالتبنّي. إذ أشهرتا خلال الأزمة التزاماً وجهوزية عاليين في متابعة تطورات الحدث، والمبادرة إلى صناعته أحياناً، وتغطية ملفاته السياسية والعسكرية والإنسانية والشعبية، إن داخل سوريا أو هنا في لبنان. بذلك، خرجت الشاشتان أو هما تخرجان عن ضيق أفق الهوية الطوائفية، لتصبحا رافعتين لحدثٍ كان قابلاً للتصنيف الفئوي فأعانتاه على بلوغ مستوى وطني أو إنساني.

ولربما يحلو في هذه المناسبة السعيدة التذكير بأهمية تطوير مفهوم جديد للبث المباشر يحدّ من مساحات الهواء المفتوح على عباراتٍ تستجلب للشاشات نقداً ينتقص من حجم الجهد الذي تبذله في التغطيات. ولربما يتضمن البث مثلاً، استعادات لعمليات خطف من العالم، لقاءات مع علماء نفس حول نفسية المخطوف وما كُتب عنها، عمليات التبادل، ... المسألة تحتاج إلى بحث مهني في التجارب الناجحة عالمياً أيضاً. فالشاشات اللبنانية واضحة الاعتناء بتطوير نشرات أخبارها والمنافسة عبرها، وهي لحظة مناسبة للبدء بمراجعة أدبيات النقل المباشر وإخضاعها لورشة تحديث حرّ.


Script executed in 0.21162295341492