أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

محررو أعزاز إلى البطالة

الثلاثاء 22 تشرين الأول , 2013 09:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,380 زائر

محررو أعزاز إلى البطالة

ويروي أحد المحررين، علي ترمس، أن نائب رئيس المخابرات التركية أبدى خلال لقائه بهم، إثر الإفراج عنهم، استياءه من تأثر العلاقات اللبنانية - التركية بعملية الخطف، وتمنى عليهم السعي لدى دولتهم لإعادة ترتيب العلاقات بين البلدين. 

ومع كل معلومة يدلي بها المحررون، يتبين أن «لواء عاصفة الشمال» قام بعملية الخطف. لكن الرجال المخطوفين تحولوا إلى لعبة لدى مجموعة دول، اجتمعت على بقائهم قيد الاعتقال، ثم اجتمعت على الإفراج عنهم. كأن الأمر مسرحية، لعب فيها أصحاب القرارات، بحياة تسعة رجال، وأدخلوهم في معادلات تصنع فيها مصائر دول وشعوب، بينما كان يمكن الإفراج عنهم سريعاً، وذلك من علامات بؤس السياسة. 

وأنفقت عشرات آلاف الدولارات على المفاوضات والاتصالات، ودفع فدية للخاطفين، ولم يكلف أحد من اصحاب الأموال نفسه حتى الآن مساعدة الرجال المفرج عنهم، وغالبيتهم من دون مصدر رزق. إنه فعلا عالم سيريالي، أو يعيش في الغيبوبة.

علي ترمس كان يعمل في السوبر ماركت لدى شقيقه في حي بركات في حي السلم، ولم يعد قادراً على استئناف عمله لأن المبيع تراجع في المحل أصلاً. وعباس شعيب يعمل في إعداد الحملات الخاصة بالزيارة. وحسن حمود يعمل في الطلاء. وابو علي أرزوني في صناعة الحلويات. ومحمد منذر في شركة توقفت عن إعطائه راتبه. وأبو علي صالح في معمل لتصنيع المعلبات التي توضع فيها المواد الغذائية، توقفت أيضاً عن إعطائه راتبه، وعلي زغيب مختار.

يقول الحاج علي ترمس إنه عندما اعتقل، توقفت ابنته فدك الزهراء ابنة الثامنة عشرة عن الدراسة في فن الغرافيك ديزاين، لكي تعمل في السوبر ماركت بدلا من والدها. لكنها تعبت بدورها، وتوقفت عن العمل لفترة شهرين، ثم استأنفت عملاً جديداً في أحد الأفران، ولم تكمل تعليمها.

يروي ترمس أن اكثر ما كان يتعبه في الأسر، محاولته الدائمة إبعاد تفكيره عن عائلته، كي يستطيع الصمود، لكنه يفشل في محاولته. وعندما شاهد ولده، إبن الثالثة عشرة، يشارك في الاعتصامات لم يصدق، يقول: «هذا ولد، كيف عرضته لتلك التجربة القاسية؟». كأنه يحاول الاعتذار منه، ثم يدير وجهه، باذلا جهده كي لا يبكي.

نقل المعتقلون خلال فترة السبعة عشر شهراً، إلى ثلاثة عشر مكاناً. ويوضح ترمس أنهم وُضعوا في معسكر كبير كان للجيش السوري في أعزاز، ثم نقلوا إلى قرية تدعى مارع، وتبعد نحو خمسة عشر كيلومتراً عن الحدود التركية. بقوا هناك لمدة اسبوع، ثم قسمهم الخاطفون إلى مجموعتين: الأولى بقيت في القرية، والثانية ضمت خمسة رجال، ونقلت إلى قرية تدعى ينارا. يضيف: «بعد نقل المجموعة الثانية، بدأنا نسمع من الحرس خبر اعتقال خمسة ضباط من «حزب الله»، وعندما وردت اسماؤهم عرفنا أنهم رفاقنا. افترقنا لمدة أسبوع، وبدأت كل مجموعة تبدي خشيتها من تصفية الأخرى. عندما التقينا شعرنا بأن دهراً مر على افتراقنا، احتضنا بعضنا، وبدأنا المزاح مع الخمسة قائلين لهم: لقد انكشفتم على حقيقتكم، أنتم ضباط في الحزب، ولم نعرف بكم».

في اليوم الواحد والعشرين لاعتقالهم تم تصويرهم، وقال لهم الخاطفون سنعرض صورتكم على التلفزيون، فطلب المخطوفون مشاهدتها للتأكد من صحة ما يقولونه لهم. وعندما شاهدوها على محطة «الجزيرة» غمرتهم الفرحة لأن عائلاتهم اطمأنت إلى أنهم على قيد الحياة.

يتابع ترمس: «في إحدى المرات وضعونا في خيمة داخل حقل زيتون، لمدة شهرين. كان الذباب يملأ الحقل، وانشغلنا في قتل الذباب. وخلال وجودنا هناك، حصلت معارك كبيرة بينهم وبين الجيش السوري، فكنا نشاهد الطائرات تقصف المنطقة، ولكن ليس قريباً منا. وعندما أذيع خبر استشهادنا كنا نقيم في مركز تابع لحزب البعث، وقد سقط صاروخ بعيداً عنا نحو خمسمئة متر».

حصل نقاش كثير مع الخاطفين عن الظلم الذي يتعرضون له لأنهم خطفوا من دون سبب، و«كان الخاطفون يقرون بذلك، لكنهم يقدمون حججاً متعددة، مرة يقولون اعتقدنا انكم من الحرس الثوري الإيراني ولم نعد نستطيع الإفراج عنكم، ومرة يقولون لنا كيف تذهبون إلى الزيارة، والشعب السوري يُقتل على يد بشار الأسد؟

حصل الرجال التسعة على جهاز تلفزيون قبل أربعة أشهر. وكانوا قبل ذلك يتحججون بالدخول إلى غرفة الحرس كي يسترقوا الأخبار. بقينا في تركيا أربعة أيام، من الأربعاء حتى السبت، وفي المطار خمس ساعات.

تقول فدك الزهراء، وهي الصغرى بين أخواتها، إنها لن تدع والدها يعمل بعد اليوم، وستتولى مسؤولية مصاريف المنزل مع شقيقتها لأنها شعرت أن لا قيمة للحياة في غياب والدها. وتوضح شقيقتها صفاء أن والدها شديد الحنان، وعندما غاب أصبح المنزل مظلماً. كانت تخشى أن يتشدد والدها إزاء خروجها وشقيقاتها بعد تعرضه لتجربة الخطف، لأنه يطلب منهن دائماً الانتباه من السيارات، والعودة إلى المنزل قبل حلول الظلام، والتأكد من إقفال باب المنزل. تدرس صفاء حالياً في «الجامعة اللبنانية»، وتعمل بشكل متقطع في ثانوية الشهيد محمود قعيق في اختصاص التربية الحضانية لمساعدة العائلة.


Script executed in 0.19701099395752