سكت أزيز الرصاص في عاصمة الشمال نهار أمس. استُبدل صوت الانفجارات فيها بأصوات مسلّحين شغلوا نهارهم بالحديث عن احتدام المعركة ليلاً، والتحضير لها. شحذ كلاشنيكوفات وشراء ذخيرة ونقل قذائف هاون وتفاوض وخلافات حول ارتفاع أسعار طلقات (البندقية) «الروسية» من دولار إلى دولارين. كل هذا كان يجري على وقع ترقّب ما سيصدر عن اجتماعات القياديين في المدينة، مترافقاً مع تسريبات عبر رسائل الهاتف تفيد المنتظرين بالتهيّؤ لمعركة حامية. لم يُعرف فعلاً إن كانت ستحصل، أم أن الرسائل تهدف إلى شدّ العصب والتأهّب. باختصار، نهار أمس في الفيحاء لم يشبه ليلها أوّل من أمس. حركة السير كانت اعتيادية، كما حركة رجال الأمن على الحواجز عند مداخل المدينة. هذا في الشكل. أمّا داخل غرف الاجتماعات، فكانت تُرسم انتصارات خطابية. مزايدة في الحقن الطائفي ومطالبة بتجاوز الخطوط الحمراء المانعة لاقتحام الجبل. القياديون المجتمعون أكدوا أن الخط الأحمر الذي يحول دون اقتحام الجبل لا يزال قائماً، لكن تم التوافق على ضرورة إيلام الجبل.
أبرز الاجتماعات التي شهدتها عاصمة الشمال جرى أمس في منزل إمام مسجد التقوى الشيخ سالم الرفاعي الذي خرج بعد الاجتماع ليتلو بياناً طالب فيه بحل الحزب العربي الديمقراطي ومحاكمة المسؤولين فيه «باعتبار أن منفذي التفجيرين (تفجيري مسجدي التقوى والسلام في آب الماضي) ثبت أنهم من جبل محسن ولطالما تبجح الحزب العربي أنه الممثل الوحيد للجبل والمسؤول عما يجري فيه». وهدّد الرافعي قائلاً: «إذا لم تقم الدولة بواجباتها من حماية أهلنا في طرابلس ومحاسبة المسؤولين عن تفجيري المسجدين، فإن ما بعد تفجيري مسجدي التقوى والسلام واكتشاف فاعليهما ليس كما كان من قبل، معاهدين شهداءنا الأبرار بأن لا تذهب دماؤهم هدراً». وارتفع مستوى التوتر بعد الحديث عن إلغاء خطبة الجمعة (اليوم) التي يلقيها الرافعي في مسجد التقوى.
كلام الرافعي لاقاه بيان صادر عن «فعاليات التبانة» دعا الجيش إلى «دخول منطقة جبل محسن وتوقيف المجرمين أمثال المسؤول السياسي في الحزب العربي الديمقراطي رفعت عيد وكوادر الحزب بعد أن كشف فرع المعلومات ملابسات افتعال الحزب لتفجيري السلام والتقوى». ولفت البيان إلى أن «على الدولة توقيف كل المتورطين في التفجيرين لأنه إن لم يحصل هذا الأمر، فإن أولياء الدم سيأخذون حقهم بيدهم وسيصبح كوادر الحزب أهدافاً لهم».
بدت طرابلس امس متروكة لفتنة لن تبقي أحداً. أركان الحكم يُصدرون بيانات. كل الحديث عن وضع الأمر الأمني في المدينة بيد الجيش يبقى كلاماً في الهواء. فالمتقاتلون استهدفوا قوى الجيش المنتشرة عند خطوط التماس بين التبانة وجبل محسن، ما ادى إلى وقوع أربعة جرحى بين العسكريين. قيادة الجيش اعطت اوامر بالرد على مصادر النيران، لكن الوضع كان يخرج عن السيطرة ساعة إثر ساعة. في جبل محسن، أصدر رفعت عيد أوامره لمقاتليه: «لا تردوا على إطلاق النار، ومن يطلق النار يتحمل مسؤولية ما يفعله». هذه الرسالة التي أطلقها عيد عبر أجهزة اللاسلكي، سمعها المقاتلون الذين يستمعون بعضهم إلى بعض طوال الوقت. لكنها لم تهدئ روع المقاتلين المصرين على أن «يدفع جبل محسن الثمن». شيئاً فشيئاً، صار الحديث طبيعياً عن اشتباكات ستتسع رقعتها وستكون الأعنف بين جولات الاشتباكات السابقة في طرابلس. لم يعد الامر يقتصر على الرصاص والأسلحة المتوسطة. مدفع الهاون يبدو في أحاديث مقاتلي طرابلس سلاحاً فردياً يُحمل كالمسدس.
كيف بدأت هذه الجولة؟ مساء الاثنين الماضي، اندلعت اشتباكات بين التبانة وجبل محسن، بالتزامن مع إطلالة الرئيس السوري بشار الأسد عبر قناة «الميادين».
ولكن، كان لافتاً أن بعض محاور القتال الرئيسة، خصوصاً التي يتمركز فيها مسلحون تابعون لسعد المصري وآخرون للقوى السلفية، بقيت على الحياد، وأن من يمسكون بهذه المحاور شدّدوا في تعليمات أعطوها لمقاتليهم على عدم المشاركة في الاشتباكات نهائياً، ومنع أي مسلح محسوب على طرف آخر من الدخول إلى منطقة نفوذهم أو اتخاذها متراساً.
هذا التطوّر الذي عُدّ خروجاً عن السياق العام في باب التبانة والمناطق المحيطة بجبل محسن، جرى تأكيده أيضاً مساء أول من أمس في اجتماع طويل عقد في مسجد حمزة في القبة بين «قادة المحاور»، بهدف التشاور والخروج بموقف موحد من جولة الاشتباكات الأخيرة. لكن الخلافات بينهم أفشلت الاجتماع وأجهضت احتمال توافقهم على موقف موحد، سواء لجهة مشاركتهم جميعاً في الاشتباكات، أو إيقافها.
وكما كان متوقعاً، كان أول الخارجين من الاجتماع الذي امتد حتى ما بعد منتصف الليل، «قادة المحاور» المحسوبون على ميقاتي، كالمصري وسواه في القبة، إضافة إلى ممثلين عن مجموعات سلفية الذين دارت بينهم وبين قادة المجموعات المسلحة المؤيدة لاستمرار جولة الاشتباكات نقاش ساخن. ففيما شدد هؤلاء على أن «هذه المعركة هي من أجل الضغط على جماعة جبل محسن لتسليم المشتبه فيهم في تفجيري التقوى والسلام»، ردّ ممثلو القوى السلفية بأن «إمامي مسجدي التقوى والسلام (الشيخين الرافعي وبلال بارودي) سلّما الأمر إلى القضاء، فلا داعي للمزايدة عليهما».
وأدى فشل الاجتماع إلى امتعاض بعض المسلحين في محيط مسجد حمزة فأطلقوا النار في الهواء، تزامناً مع تساؤلات طرحت عن حقيقة ما جرى على الأرض حتى بدّل بعض «القادة» موقفهم، وبالتالي لماذا بقي البعض منهم مصرّاً على الاستمرار في معركة «عبثية» لا إجماع عليها ولا أفق لها؟
هكذا كانت المعركة قبل بيانات يوم امس، وقبل أن يُعلن المصري وكل قادة المحاور في التبانة المشاركة في القتال. لكن يبقى سؤال مركزي من دون إجابة: وقع تفجيرا طرابلس في 21 آب الماضي، ولم تشتعل جبهة التبانة جبل محسن. أوقف فرع المعلومات المشتبه في تنفيذه أحد التفجيرين يوسف د. في 11 تشرين الاول ولم تستعر المعركة. فلماذا انتظر المتقاتلون حتى ما قبل يومين لقرع طبول الحرب؟ هل القرار هو طرابلسي بحت؟ أم أن الحرد السعودي من كل ما يُحكى عن تسويات في المنطقة انتج انفجاراً في طرابلس؟ وهل هي الصدفة وحدها التي ادت إلى استعار النيران في عاصمة الشمال بعد التحذير السعودي من حرب أهلية في لبنان؟