الشقيقان معروف عنهما السُمعة الطيّبة. هما من السكّان الأصليين لـ«برج البراجنة»، هذه «القرية» التي تضم عائلات بقاعية وجنوبية في ضاحية بيروت، والتي ذاع فيها صيت «الرَّجُل» دوماً، واشتهر بدماثته وسعيه لمساعدة كل من يقصده بخدمات اجتماعية، مستفيداً من علاقاته الحزبية.
ليل أمس الأول، كان الخبر مقتضباً: «ع. قتل شقيقه»، كان يردد الجيران بذهول، وسط غموض اكتنف دوافع الجريمة المأساوية. لكن أمس، وبينما القوى الأمنية المعنية كانت تنتظر استلام القاتل الذي أوقف عند الحدود في «المصنع»، كان سكان المنطقة يرددون رواية متقاطعة: «ع. قتل شقيقه بسبب خلافات مالية». وأكد مصدر أمني لـ«السفير» أن ع. اعترف بتنفيذه الجريمة، مبرراً ذلك بـ«وجود خلافات مالية عمرها 12 عاماً، متعلقة بالإرث».
وحتى عصر أمس، عندما بدأ أقارب «الرجل» وأصدقاؤه يتوافدون إلى التشييع في «جبّانة الرادوف»، كانت الصدمة تلازم الجميع: ع. معروف لدى سكان البرج بعباراته ونداءاته الدينية المتكررة، التي يرددها دوماً أمام من يعرفه ومن لا يعرفه، ومحمد معروف بـ«أخلاقه الحميدة وطيبة قلبه».
وكل من يعرف «الرَّجُل» كان ينتظر ورود «معلومة جديدة» أمس، علّها تكذّب الخبر المأساوي الأساس: الأخ يقتل شقيقه بسبب خلافات مالية. لم يصدّق أحد أن ع.، الذي كان «يردد أمامنا المواعظ الدينية دائماً»، قد قتل شقيقه ثم حاول الفرار إلى سوريا مستقلاً سيارة أخيه.
يروي أحد أصدقاء «الرَّجُل» أنه كان عائداً من عمله إلى منزله في البرج، عندما سمع رشقات نارية يتردد صداها من منزل السبع. ركن الشاب دراجته النارية جانباً وتوجه إلى المدخل. «تجمّع الجيران هناك، ولم يتجرأ أحد على الصعود إلى المنزل. انتظرنا قليلاً، ثم شاهدنا ع. يغادر مسرعاً».
توجس الجيران من دخول المنزل، لكن الشاب سبقهم بحذر. «كانت الغرفة تعبق برائحة البارود. لم أتمالك نفسي حين رأيت الرجل جالساً على الكرسي. بدا رأسه منحنياً والرصاص يغزو جسده بغزارة».
يلوّح الشاب بيديه قائلاً: «قبل دقائق من وصولي إلى مكان الجريمة، كان صديقي يقرأ لي على الهاتف قصيدة كتبها إلى شقيقه، الذي توفي قبل ثلاثين عاماً. كان يحكي عن أخيه ويبكي متأثراً بالذكرى. ثلاثون عاماً وشقيقه يسكن ذهنه وعواطفه، بينما جارنا يُقتل على يد أخيه!».
إلى جانب الشاب كانت تقف سيدة متشحة بالسواد، تسأل بصوت عال: «ماذا يحدث لنا في هذه البلاد؟». تنظر يميناً وشمالاً، مردفة بنبرة حزينة: «قبل شهر قامت أم وأولادها بقتل زوجها وتقطيعه إرباً، وقبلها قتل شاب أمه وأشقاءه، وقبلها بأشهر قتل أب أفراد عائلته، واليوم رجل معروف بالتزامه الديني يقتل شقيقه».