أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الإمام الصدر ، لماذا لا نتحدث عنه ؟

الخميس 31 تشرين الأول , 2013 11:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,762 زائر

الإمام الصدر ، لماذا لا نتحدث عنه ؟

في الأول و الأخير قضية الإمام موسى الصدر قضية إنسانية بالدرجة الأولى ، و حتى لا بأخذنا البعض إلى متاهات جدلية أخرى نؤكد أنه في القضايا الإنسانية لا نحتاج إلى بعض العقول التي مارست و تمارس دائما الضغوط الفكرية حتى يبقى الشيعي في ” مناطقه” و السني في “مناطقه” في شبه عزلة تشبه حالة الانقسام العمودي الذي فرضها فكر الإخوان منذ فترة و خاصة بعد ما يسمى نفاقا بالريع العربي ، و بالنسبة لكثير من المثقفين و العقلاء من الجانب السني ، مع أن القلم نفسه يرفض هذه التفرقة العنصرية البغيضة ، فان الإمام الصدر يمثل فكرا يدعو للمحبة و التسامح بين الأديان و الأقليات و الطوائف ، و بهذا المعنى فان اختفاءه قسرا في جماهيرية العقيد القذافى ، كما يطرح أكثر من علامة استفهام ، فهو يطرح على النظام الليبي السابق و الحالي كثيرا من المسؤولية السياسية و الأخلاقية.

 

لا أدرى صراحة لماذا يتعالى صوت عائلة العقيد القذافى أو ما تبقى منها على الأقل ، لماذا يتعالى صوت أصدقاء السيد البغدادي المحمودى ، و موسى كوسا و عبد الله السنوسي إلى آخر الموقوفين في ليبيا ما بعد “الثورة” مطالبين ” السلطات” الليبية الجديدة بالتوازي مع المجتمع الدولي بضرورة أن تتم محاكمتهم محاكمة عادلة تراعى فيها كل ضمانات المحاكمة العادلة في حين أن هؤلاء المتهمون هم من رموز النظام السابق الذين يعلمون علم اليقين مصير الإمام الصدر لكنهم يرفضون قصدا و بهتانا الإدلاء بأية معلومات مفيدة تتعلق بمصير الإمام الصدر ، هنا المشكلة ، و هنا بيت القصيد ، فمصير الإمام لا يمكن أن يكون أقل أهمية من مصير القتلة و المحرضين على قتله أو تعذيبه أو دفنه بأية طريقة كانت ، و دعوة رموز النظام السابق المجتمع الدولي و السلطات الدولية لان تعتمد الأساليب الإنسانية و القانونية في محاكمتهم لا تختلف كثيرا عن دعوة أهل الإمام المختطف التي تريد من الضمير الإنساني الليبي أن يجيب عن أسئلة العائلة الموسعة للإمام.

 

مشكلة البعض أنهم يعتمدون سياسة المكاييل المختلفة في تقديرهم و تقييمهم للحالات الإنسانية ، و مشكلة البعض أنهم يريدون العدل و العدالة هنا و يغمضون العين هناك بداعي أن المشكلة تتعلق بشخص أو مواطن من الشيعة ، في حين أن المسألة لا علاقة لها بالشيعة أو السنة لأنها مسألة ضمير و تقدير لمفهوم العدالة و الألم الإنساني لكل فرد ، و عندما يفقد الفرد إحساسه الإنساني الرفيع بعذاب و ألم الغير ، مهما كان هذا الغير ، و مهما كانت طائفته ، و مهما كانت جنسيته ، فإنه لا يليق به أن يدعى الإنسانية أو الإحساس ناهيك أن المسلم لن يكون مسلما ” كاملا” إلا متى تحقق من إنسانيته و إحساسه ، فلماذا يرفض رموز النظام السابق ، و لماذا يرفض حكام ليبيا الجدد “تسليم” المعلومات حول مصير المفقود منذ سنة 1978 بعد أن رفضوا تسليم الرجل لأهله و ذويه و محبيه ، و إذا كان سجل العقيد الراحل مظلما في مسألة الحقوق و الحريات ، و معيبا في اختطافه لبعض المستجيرين بمصر أو تونس من قدماء مجلس الثورة الليبية أو ما يسمى بالضباط الأحرار ، فانه على ضمير بعض هذه القيادات البائسة المحتجزة في ليبيا أن تصارح المجتمع الدولي بالحقيقة.

 

يعرف الجميع و على لسان جهات لبنانية و ليبية أن الإمام الصدر لم يغادر ليبيا منذ مقابلته الشهيرة للعقيد القذافى ، و يعلم البعض أدق تفاصيل تلك المقابلة الفاجعة التي جعلت صاحب النظرية العالمية الثالثة يفقد أعصابه غيضا ، و يقرر مصيرا بات غامضا للإمام الصدر منذ سنة 1978 ، لكن من المفارقات أن يسقط النظام و يصبح بعض من حضر تلك المقابلة سجناء في قبضة نظام استبدادي جديد يقال أنه يمثل الثورة الليبية ، ليطرح الجميع في لبنان و في الوجدان الأخلاقي العالمي السؤال الملح أين الإمام الصدر ؟ لكن من المؤكد أن القديم و الجديد في ليبيا لا يريدون الإفصاح و كشف المستور ، بل نؤكد أن جهات خليجية معروفة بالاسم لا تريد كشف هذا المستور لأحقاد دفينة بينها و بين الشيعة و من ينتسب إلى هذه الطائفة الكريمة التي هي جزء لا يتجزأ من الأمة العربية أحب من أحب و كره من كره ، لذلك لا يمكن تصوير ما حدث في ليبيا بالثورة ، لان الثورة تبحث دائما عن العدالة و ما فهمه المتابعون للقضية في لبنان و في العالم العربي أن حكام ليبيا الجدد هم أسوأ من النظام السابق، لذلك تفشل ثورة من ثار في ليبيا حقا على الوضع السابق و تصبح مدعاة للخطر بعد أن تسرب السلاح الليبي و إخوان الإرهاب إلى الأطراف و إلى سوريا ، و بعد أن كان العقيد يصدر الأفكار الباهتة و الإرهاب ، واصل إخوان ليبيا اليوم تصدير نفس الخطايا بحيث لا يمكن توقع أن يبحثون عن مصير الإمام أو أن تكون لهم مشاعر إنسانية .

 

نحن لا نريد أن نكسر أمال الإخوة الشيعة، و لا أحباء الإمام الصدر ، و لكن “بمعاشرتنا” كشعب جار للجماهيرية الليبية منذ سنوات عديدة نعلم علم اليقين أن حكام ليبيا من القديم و الجديد لا يعترفون بالمعاني الإنسانية السامية ، فنحن و رغم ما نعانيه من ضيق اقتصادي قمنا بالواجب مع الآلاف من الشعب الليبي الشقيق ، لكن الحكومة الليبية و زمرة القتلة الإرهابيين فيها من عبد الحكيم بلحاج إلى آخر القائمة ردوا للشعب التونسي الجميل بإرسال الإرهابيين و السلاح للقتل و الترويع ، و كما عانت تونس من شطحات القذافى و تصديره لنظريته العالمية الثالثة بقوة الإرهاب و المؤامرات ، جاء حكام ليبيا اليوم يصدرون فكر الإرهاب بقوة السلاح، لذلك لن يصل المتابعون لقضية الإمام موسى الصدر إلى نتيجة ايجابية مع شخصيات ليبية رضعت اللؤم و الأنانية و الغرور مع “حليب” النفط ، يبقى الأمل أن يستيقظ ضمير واحد في ليبيا ، أمل ضعيف جدا ، لكنه أمل العاجزين .

 

 

 

 

Script executed in 0.16672301292419