شيعت البلدة شهداءها وسط إطلاق نار كثيف وحزن كبير على من غادروا إلى ما وراء البحار بحثا عن لقمة العيش فعادوا جثثا هامدة في نعوش مقفلة لا يمكن فتحها.
زحفت بلدة قبعيت بشيبها وشبابها واصطف الجميع على طول الطريق العام لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة على الأحباب من الأطفال والنساء، ونثروا الورود والأرز على الأرواح الطاهرة التي قضت من دون أي ذنب، ودفعت فاتورة الفقر والحرمان في محافظة عكار.
رثى كل من حسين خضر وأسعد أسعد، ووالدة بسام وابتسام عثمان، وزوج منال حمزة، ووالدة خضر شديد أبناءهم وإخوتهم، كل على طريقته. وكانت كلمات الوداع التي زفها حسين على مسمع زوجته وأطفاله الثمانية كفيلة بإبكاء الحجر، فكيف بالبشر. وردد «ليش ما أخدتوني معكن، أخدتيهم كلن يا كوثر، ليش ما تركتيلي حصة، ما حرام تركتوني لوحدي. اهتمي فيهم منيح يا كوثر».
أضاف: «قومي يا مريم (إبنة العام والنصف) دعيت الله قبل لحظات من وفاتك بأنو نوصل سالمين فكان الموت ناطرنا يا بيي يا صغيرة، يا ملاكي. سامحيني ما قدرت حميتك، إغفريلي يا وفاء، ويا رنا، ويا رواء، ويا حبيباتي يا علي ويا أحمد، شو بدي قول تركتوني من دون صديق، تركتوني من دون قلب وروح، وأنا يلي كان بدي عيشكم أحلى عيشة».
بحث أسعد مطولاً عن جثامين بناته مايا، ورانيا وعن زوجته ريا ليسألهم عن الصغير علي الذي بقي في الماء، «تركتوه لوحدو بأندونيسيا في بلاد القهر والذل، بس ما تتركوه بالجنة، اهتموا بإبني الصغير».
لم تعرف والدة ابتسام وبسام على من تبكي، أتبكي الأخت الحنونة التي لطالما رافقت شقيقها أينما حل، «أم أبكي الأب الذي ترك وراءه طفلين لم يعرفا رائحة والدهما بعد، من أبكي؟ وعلى ماذا؟ على العمر الذي ضاع بغمضة عين، على الحسرة التي تركتموها في قلبي وقلب زوجتك وأطفالك؟». بكت عائلة منال حمزة العروس التي لم تفرح بزفافها، فقضت بعد شهرين من زواجها. أما والدة محمد جديد فأوقفت النعوش على الطريق وبحثت مطولاً عن نعش ابنها العريس حتى أعياها التعب من كثرة الصراخ وأغمي عليها.
ثم حملت الجثامين الـ16 على الأكف حيث ووروا في الثرى في مقابر جماعية في جبانة البلدة.
وكانت الجثامين قد وصلت عند الساعة الرابعة والنصف الى بلدة برقايل، حيث أم الشيخ زيد زكريا ممثلا مفتي الجمهورية محمد رشيد قباني الصلاة عن روح الشهداء الـ18 جميعهم من بلدة قبعيت باستثناء إمرأتين من بلدة فنيدق.
واحتشد أهالي بلدة مجدلا عند مفترق البلدة وعلى الطريق العام بانتظار وصول جثمان عمر، الذي استقبل بنثر الورود، وإطلاق النار، «طال غيابك يا عمر، وطالت الحسرة معك يا حبيبي»، صيحات أطلقتها الوالدة المفجوعة، والشقيقات اللواتي جفت دموعهنّ منذ رحيل عمر عن لبنان.
كذلك، شيعت بلدة فنيدق ضحيتيها وسط حالة حزن شديد على العروس سراب عبد الحي التي قضت في البحر، في حين تمكن زوجها من النجاة، وعلى خديجة الدالي التي قضت مع ابنها الوحيد.