أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

عودوا... فقراء كما أنتم

الجمعة 01 تشرين الثاني , 2013 09:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,595 زائر

عودوا... فقراء كما أنتم

أمس، استرجع أهالي عكار وطرابلس الجثامين الـ34 الذين غرقوا في بحر سيانجور الإندونيسي. لم ينتظروهم وحدهم، فالدولة المنقطعة عنهم دائما، ركبت «موجة» مأساتهم وأقامت لجثث مواطنيها المحرومين استقبالاً رسمياً، لتعلن انتهاء «المأساة»، هكذا، وببساطة مفرطة. ولكن حضور الدولة في استقبال الجثث بلا قيمة، فأين كانت قبل أن يموت كل هؤلاء؟ واين ستكون عندما سيموت آخرون مرارا وتكرارا؟

في حديثه الصباحي أمس في مطار بيروت الدولي أمام أهالي ضحايا العبارة الإندونيسية، أعلن الأمين العام للهيئة العليا للإغاثة العميد ابراهيم بشير «إقفال الملف اللبناني في إندونيسيا بشكل نهائي». في لغة الواقع، هذه هي الحقيقة.

 

الملف انتهى بعودة الجثامين الـ34 أمس، وعودة الناجين قبل بضعة أسابيع. لكن، هل يمكن أن نقيس هذا الواقع على ما سيعيشه أهالي الضحايا في عمرهم؟ هل يمكن أن نقول مثلاً أن حسين خضر، الذي فقد أبوّته دفعة واحدة، انتهت مأساته أمس في مطار بيروت الدولي؟ هل يقنع كلام بشير الواقعي أسعد أسعد مثلاً الذي بقي قبر ابنه الرضيع علي فارغاً؟ بما شعر هؤلاء عندما اعتبر الكل، من غير المفجوعين، أن «ملف» موت أحبائهم انتهى؟ وهل انتهى كل شيء فعلاً؟ من قال بأن الموت على هذه الشاكلة يمكن تسميته ملفاً؟ وهل الباب المشرع على مصراعيه على الهجرة هو ملف صغير يقفل بعودة جثامين الذين ماتوا على العبارة الإندونيسية؟

الشيء الواقعي أن هؤلاء العائدين في صناديقهم الخشبية سيدفنون في البلاد التي هربوا من جحيمها. سيبكيهم الأحياء الذين نفذوا من موتهم. ووحدهم سيذكرونهم. البقية أقفلوا الملف. حسين خضر سيحمل ثقل الألم وحده طوال عمره والصورة أيضاً: خروج 9 توابيت من أمام بيته الذي بالكاد كان يتسع لهم. وأسعد أسعد، ماذا عن الصورة التي لم يرها عن علي؟ الصغير الذي بقي سابحاً في بحر سيانجور. سيذكر هذا الوالد، الذي بقي هو الآخر وحيداً أن علي سيبقى صغيراً ولن يكبر أبداً. وأن ملفه لن يقفل طالما أنه لم يعد. لن تخفف الورقة التي يحملها من وجعه. وهي التي تقول «إن المفقود رقم 35 المدعو علي أسعد أسعد هو طفل عمره سنة ولا وجود لجثة له في المستشفى العسكري». سيبقى ممسوساً بالموت، الكثيرون أيضاً.

ربما، في وقتٍ لاحق، قد يرضخ هؤلاء لحياتهم التي فرضها «سماسرة الموت». لكن، لن يقتنعوا بكلام الدولة اللبنانية التي تسرّعت في وضع النهاية للملف. فما حصل في بحر سيانجور، والذي عراه الموت، ليس مشهداً «مقتطعاً». فقبل دفعة سيانجور التي راح فيها هؤلاء، مرت خمس عبارات ممتلئة بفقراء عكار ومثيلاتها. وفي غمرة البحث عمن ساقهم البحر، كانت عبارات أخرى تستعد لحمل فقراء آخرين إلى البلاد التي يطمحون بالعيش فيها «بكرامة». ويمكن على سبيل المثال إيراد «زورق صور» نموذجاً، الذي كاد يسير بالطريقة نفسها التي سارت بها العبارة الاندونيسية. وبعد العبارة، سيبقى طريق الهروب إلى بلاد أخرى، غير هذا البلد، مفتوحاً على مصراعيه. حتى الذين نفذوا من الموت في العبارة سيقدمون على الأمر في مرحلة لاحقة. اسألوا حسين خضر وأسعد أسعد وعلي سعد. اسألوا الفقراء في عكار وطرابلس والجنوب والبقاع. اطلعوا أكثر على الأرقام الهائلة لجوازات السفر في مراكز الأمن العام. اللبنانيون يائسون. يتعلقون بجوازات سفرهم كما يتعلق الغريق بـ«قشّة». وبعد عبارة إندونيسيا التي أقفلوا ملفها، ستفتح ملفات أخرى عن الهجرة بتلك الطريقة، لأن «لا أحد يرغب بالبقاء في الفقر، وقد يكون الموت في البحر أفضل من البحث عن لقمة العيش بلا جدوى»، يقول علي سعد، صديق الشاب محمود ناصر الذي جرفه البحر هو الآخر. يقول سعد «كان محمود يعرف بأنه سيغرق لأنه لا يعرف السباحة وسمع بأن المراكب الهاربة تغرق، ولكنه أصرّ على الرحيل لأنه خاف من الشحادة».

سعد، الذي خاف من طريقة موت صديقه، مستعد للهرب بعبّارة. ويعرف بأنه سيهرب «يوماً ما». ويقول «ما رح تعرفي شو عم قول لحتى تطلعي لهونيك وتعيشي نفس العيشة». و«هونيك» تعني عكار ومحيطها والفقراء الذين يعيشون دون خط الفقر. قد يأكلون يوماً «وقد يجوعون عشرة»، يتابع أسعد. هذا الرجل، الذي طبع على خدّه الأمين العام لتيار المستقبل أحمد الحريري قبلتين، لن يسكّنا ألمه على علي وشقيقتيه ولن يسدّا «الديون التي تراكمت عليّ وقت قررنا نهرب». لماذا هربت؟ يضحك الرجل في غمرة ألمه ويردّ على السؤال بسؤال «ليش ما بتقولي بعد رح تهرب مرة تانية؟»، ويجيب نفسه «بعد بعملها، فهنا لم يعد لدي أحد والدولة لن تطعمني، بعد بلاقي محل عيش فيه وآكل».

أمس، عند مدخل عنابر الشحن في مقر شركة طيران «عبر المتوسط»، كانت لافتة تلك العبارة التي خطها المراهقون على قمصانهم السوداء «شهداء لقمة العيش» والصور التي رفعوها أيضاً. كانت في غالبيتها لشباب. وما يلفت أيضاً الحضور الكثيف للدولة، حيث وقف الفقراء جنباً إلى جنب مع أركان الدولة. وربما تكون هذه هي المرة الأولى التي يلتقون فيها في المكان نفسه. والمرة الأولى التي يتزاحم فيها السياسيون على أخذ الصور معهم وإغراقهم في القبلات. كانت الدولة كلها هناك. مجموعة كبيرة من الوزراء والسياسيين ومسؤولي الأحزاب والوفود الدينية. الكل كان يبحث عن صورة له مع جموع «الموتى»، حتى وزير الداخلية والبلديات مروان شربل كان يشرف بنفسه على كل الترتيبات. ينظّم سير عربات الموت ويطلب من المواطنين الوقوف في صف مستقيم ولا ينسى فرض «وهرته» على عناصر الأمن «وليه انت شو عم تعمل؟ يا عسكر امسكوا أيدين بعض وخلوا الكل لورا...». وأحمد الحريري، ممثل الرئيس سعد الحريري، سيتنقل بين أهالي الضحايا ويقبلهم فرداً فرداً وسينقل امتعاضه عبر وسائل الإعلام من الدولة التي «لم تفتح صالون الشرف أمام أهلنا، فهم يستحقون انتظار الجثامين هناك لأن كل نقطة دم وكرامة عندهم تمثل الشرف». وأحمد كرامي أيضاً سيدلي بدلوه. سيترحم على الضحايا ويقول «هذا قدرهم». لكن، كل ذلك ليس صحيحاً. أين كان هؤلاء من فقراء عكار؟ أليسوا هم من يمثلونهم؟ لو انهم مهتمون فعلا لما كان قدر هؤلاء الموت بهذه الطريقة؟ ببساطة، الدولة التي تأهبت أمس لاستقبال الجثامين، تنسى «أننا فقراء، وأنها لو أمنت لنا الحد الأدنى للعيش لما تغرّبنا»، يقول علي عثمان.

عثمان رأى «الدولة كلها» أمس. ولكن، ستمر لحظات ليست طويلة. ستخرج الأجساد المعبأة في صناديق خشبية باهتة اللون في عربات الدفاع المدني. ستعزف لها فرقة موسيقى قوى الأمن الداخلي النشيد الوطني وموسيقى الموت وسترحل إلى المثوى الأخير. عندها، سيغادر السياسيون وبعدها، ستغادر الدولة كلها ونهائياً.. من حياتهم. ولن يبقى للفقراء إلا فقرهم واحتمال الموت في بحرٍ آخر.

امس، شيّعت بلدة قبعيت 16 ضحية، من بينهم ريا محمد طالب «الحامل بشهرها الثامن»، وشيعت التبانة 6 ضحايا، والسويقة ضحية وخريبة الجندي ضحيتين وفنيدق ضحيتين أيضاً وضحية في كل من البداوي وبرقايل وبيت حاويك ومجدلا والشيخ زنّاد.

 

شربل: أسماء المحرّضين معروفة

 

حضر وزير الداخلية والبلديات مروان شربل إلى المطار، أمس، شاكراً «جميع اللبنانيين المتعاونين معنا، حتى استطعنا أن ننظم وصول الجثامين الى لبنان اليوم بالشكل الذي رأيتموه، وإن شاء الله يستقبلون في قراهم وبلداتهم بالتكريم نفسه، ويكون هذا آخر حزن يعيشه لبنان، ويكونون فداءً عن لبنان». ورداً على سؤال عن مصير المتهمين بـ«التغرير بالذين قضوا في البحر»، قال شربل: «أي متدخل أو شريك أو فاعل أو محرض معروف، وأسماؤهم لدى القضاء اللبناني، والمتوارون صدرت في حقهم مذكرات توقيف». وعن سبب التقاء السياسيين في مثل هذا الحوادث ثم يتفرقون بعد انتهائها، قال: «إن شاء الله تكون هذه الحادثة والمأساة مناسبة لجمع الكل، وما جرى في طرابلس على مدى أربعة أيام أنه سقط 12 شهيداً من الأبرياء، وهذه مأساة يجب أن نأخذها في الاعتبار، والدولة اللبنانية في النهاية تعمل على إحضار كل الذين شاركوا في هذه الأحداث».


Script executed in 0.17484498023987