احتفلت منظمة الصحة العالمية وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة بأسبوع العمل الدولي للوقاية من التسمّم بالرصاص من 20 إلى 26 تشرين الأول 2013. شعار الحملة هذا العام «أطفال متحرّرون من الرصاص من أجل مستقبل صحي»، حيث كان التركيز على أهمية تجنب استعمال الدهانات المحتوية على الرصاص والاستعاضة عنها ببدائل أخرى آمنة، لوقاية الأطفال من الأضرار الناجمة عن التسمّم بالرصاص.
الموضوع ـ على أهميته ـ لم يكن على جدول أعمال وكالات الأمم المتحدة في لبنان ولا الوزارات المعنية، وتحديداً وزارة الصحة، حيث تغيب الإحصاءات المتعلقة بتركيز الرصاص في الدم، ورصد تركيزه في الأغبرة العالقة الدقيقة في الهواء الخارجي.
ويشمل تعريف «الدهان الذي يحتوي على الرصاص» جميع أنواع الدهانات، والأصباغ، ودهانات التلميع والتبطين والتغطية. وعادة ما يتكون الدهان من مزيج من الأصباغ ومواد الحشو والمذيبات. وينطوي الدهان الذي يحتوي على الرصاص على المخاطر في مرحلتي استخدامه كدهان جديد وبعد استخدامه، ويُسفر عن قضايا موروثة تتجاوز عمر السطح المغطى بالدهان بسبب تقشره أو نتيجة لهدمه. وتزداد المخاطر الصحية أثناء عمليات التجديد وإعادة الدهان التي تشمل الأسطح التي سبق طليُها بمواد تحتوي على الرصاص. ولذا فإن التخلص من الدهان الذي يحتوي على الرصاص الذي يستخدم في المنازل والمدارس يُعد أولوية ينبغي أن ينصب عليها تركيز الجهات المعنية.
والدهانات المذكورة مصدر رئيسي محتمل لتسمّم صغار الأطفال بالرصاص، وهي موجودة في المنزل وفي لعب الأطفال والأثاث وفي غيرها من الأشياء. وتخلّف تلك الدهانات المتحلّلة على الجدران والأثاث والأسطح الداخلية الأخرى غباراً ملوثاً بالرصاص في المنزل يسهل على صغار الأطفال استنشاقه، كذلك إن وضع صغار الأطفال الألعاب وسواها من الأشياء الحاوية على الرصاص في أفواههم يعرضهم للتسمّم بالرصاص. فالطعم الحلو المذاق للدهانات الحاوية على الرصاص يعني أن بعض الأطفال يلتقطون أيضاً رقائق الدهان الصغيرة ويبتلعونها. ويخلّف التسمّم بالرصاص عواقب صحية مدمّرة، وخاصة على صحة الأطفال، إذ تشير التقديرات إلى أن التعرّض للرصاص في مرحلة الطفولة يسهم في إصابة الأطفال بحالات عجز ذهني جديدة قدرها 600 ألف حالة سنوياً.
وتشير التقديرات إلى أن التسمّم بالرصاص يودي بحياة 143 ألف شخص سنوياً، وهي وفيات ناجمة عن الدهانات الحاوية على الرصاص أساساً، لأن استعمالها يخلق مشكلة صحية تدوم لعدة سنوات في المستقبل. وحتى في البلدان التي حظرت استعمال تلك الدهانات قبل عقود مضت من الزمن، فإن هذه الدهانات لا تزال تشكل مصدراً للتعرّض إلى أن تُنزع من الجدران وتُستبدل بها أخرى في نهاية المطاف، ما يعني أن التكاليف المترتبة على استبدالها تعرّض الذين يعيشون في مساكن قديمة وسيئة الصيانة للخطر بشكل خاص.
رئيسة دائرة حماية البيئة السكنية في وزارة البيئة ألفت حمدان، أكدت لـ«الأخبار» أن الرصاص من المواد الخطرة الخاضعة لأحكام قانون المحافظة على البيئة ضد التلوث من النفايات الضارة والمواد الخطرة رقم 64 الصادر بتاريخ 12/8/1988، وتندرج النفايات المحتوية على الرصاص ضمن اتفاقية بازل المتعلقة بالتحكم بحركة النفايات الخطرة عبر الحدود وكيفية التخلص منها والتي أبرمها لبنان بموجب القانون رقم 387 الصادر بتاريخ 4/11/1994.
وتشير حمدان إلى أن «وزارة البيئة تراقب استيراد النفايات المحتوية على الرصاص وتصديرها، بما يضمن منع استيراد النفايات المحتوية على الرصاص إلى الأراضي اللبنانية. أما لناحية استخدام الرصاص كمادة أولية في الصناعة، فإن جمعية الصناعيين قد بادرت إلى طرح هذا الموضوع للعمل على قوننته وتقييد استخدام الرصاص في مواد الدهان بالتعاون مع وزارة البيئة، ولغاية تاريخه لم يُتوصَّل إلى أية صيغة قانونية بهذا الإطار.
كلام حمدان يؤكده المدير العام لجمعية الصناعيين اللبنانيين سعد الدين العويني، التي أوصت منذ أكثر من عشر سنوات بعدم تصنيع أو استيراد مواد يدخل فيها رصاص. لكن غياب إطار قانوني ملزم يترك المعابر الحدودية مشرعة أمام استيراد الدهان الذي يحتوي على الرصاص والذي يُباع في السوق بأسعار منخفضة، في مقابل الدهانات الخالية من الرصاص.
بدوره، أكد رئيس نقابة مصنعي الدهانات في لبنان وجيه البزري، أن جميع المنتسبين إلى النقابة لا يستعملون الرصاص في صناعتهم واستبدلوا بها مواد بديلة متوافرة. لكن ماذا عن غير المنتسبين إلى النقابة؟ رنا طبشراني صليبا، مديرة مكتب مساندة الإنتاج الأخضر في جمعية الصناعيين، أكدت ضرورة إجراء مسح شامل للتأكد من خلو لبنان من الدهان الذي يحوي الرصاص، علماً بأن جميع الشركات التي سألها المكتب عن هذا الموضوع أكدت خلو الدهان في مصانعها من مادة الرصاص.
اللافت أيضاً أن لبنان ليس عضواً في التحالف العالمي للقضاء على الرصاص في الدهان الذي اعتمدته الدورة الثانية للمؤتمر الدولي لإدارة المواد الكيميائية الذي عقد في الإمارات العربية المتحدة عام 2006. ولقد عقد التحالف أول اجتماعاته التنظيمية في جنيف عام 2010.
ويدعو هذا التحالف جميع أصحاب المصلحة إلى الانضمام إلى عضوية الشراكة العالمية، وأن يضعوا خطة عمل تبيِّن المراحل الأساسية للتقدم في إنجاز التخلص التدريجي من الرصاص في الدهان، من خلال توعية القطاع الخاص، المصنعين، المستهلكين، العمال، نقابات العمال ومقدمي الرعاية الصحية، على سمية الرصاص في الدهان ووجود بدائل أفضل تقنياً وأكثر أمناً، والمساعدة على تحديد مصنعي الدهان ومعدي تركيباته الذين يستمرون في إنتاج وتسويق الدهان الذي يحتوي على الرصاص، والترويج لإرساء الأطر الرقابية الوطنية الملائمة لوضع حد لتصنيع واستيراد وتصدير وبيع واستعمال الدهان الذي يحتوي على الرصاص والمنتجات المطلية به.
ويُلحِق التعرّض للرصاص بمستويات عالية أضراراً بالدماغ والجهاز العصبي المركزي ويسبب الغيبوبة والتشنجات، بل الموت حتى، وغالباً ما يُبتلى الأطفال الناجون من التسمّم به بعاهات فكرية واضطرابات سلوكية. أما التعرّض للرصاص بمستويات أدنى لا تسبب أية أعراض واضحة، وكانت تعتبر في السابق آمنة، فإن من المعروف الآن عن الرصاص أنه يسبب مجموعة واسعة من الإصابات التي تلحق بالعديد من أجهزة الجسم؛ إذ يؤثر الرصاص تحديداً في نمو دماغ الطفل، ما يؤدي إلى انخفاض معدل ذكائه، وزيادة سلوكياته المعادية للمجتمع وانخفاض مستوى تحصيله العلمي. والبالغون معرضون كذلك بنحو متزايد لخطر الإصابة بأمراض الكلى وارتفاع ضغط الدم.