أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

صناعة الخيزران.. يُتقنها الحِرفيّ اللبنانيّ ويطوّرها والدولة تشجّعها

الأربعاء 06 تشرين الثاني , 2013 10:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 25,529 زائر

صناعة الخيزران.. يُتقنها الحِرفيّ اللبنانيّ ويطوّرها والدولة تشجّعها

تحقيق: إيمان سلامة 

حِرفة دخلت لبنان من بريطانيا عندما استعمرت البلاد الآسيوية خصوصًا التي كان ينبت فيها قصب الخيزران أخذت الدولة البريطانية القصب وأدخلته في صناعاتها واستعملته في البناء كسلالم متنقلة ثمّ كقطع وأجزاء صغيرة لسدّ فتحات الجدران الإسمنتية عوضًا عن الخرضوات المسامير والبراغي وما إلى ذلك والتي أثبتت قوّتها ومتانتها لعقود مديدة فانتقلت من هذه الصناعة إلى غيرها من صنع الكراسي وأدوات أخرى أدخلتها إلى فلسطين ومنها أخذها السوريون واللبنانيون وسكّان دول الجوار كما جرت العادة عل تسميتها آنذاك لاستعمارها من قبل الدولتين الفرنسية والبريطانية التي عملت في تلك الحقبة على إدخال كل ما من شأنه خدمة مصالحها الخاصة دون سواها. 

الحِرفيّ اللبنانيّ عمل على تطوير صناعة الخيزران عبر إدخال أشكال وأحجام مختلفة لينافس نظراءه السوريين والفلسطينيين ويبدع بأنامله السحرية لتغدو قصبة الخيزران بين يديه أشكالًا حلزونية وأخرى كعسف النخيل ومهواة تحملها المرأة في يدها وكانت جزءًا من مقعد للجلوس يعلوه شكل المروحة الهوائية تلك. 

من هاوٍ إلى حرّيف! 

ولطالما كان لبنان رائدًا في الاتقان والاحتراف فإنّ ابن مدينة صيدا سلمان الروّاس 

هاوي هذه الحِرفة منذ الصغر رغم حبّه تصميم الآلات الزراعية وولعه فيها إلّا أنّ شغفه أخذه إلى احتراف صناعة الخيزران وابتداع أشكال وأحجام. 

هو ابن السبعين عامًا لكن ملامح وجهه تبدو فيها علامات الاستمرار وحبّ التجدّد في كل ما يعمله أو يفعله. بدأ بهذه الحِرفة في سن الخامسة والثلاثين في محل ومستودع يضمّان كل تصاميمه ومقتنياته الحِرفية وهما الشاهدان طوال أربعين عامًا على ما شغلت يداه من حِرفيات خيزرانية أصلها ماليزيّ وصينيّ وقد هدف بصناعتها إلى ابتكار طرق فريدة في هيكلية الكراسي حتى إنّه كان يرمّم قطع خيزران قديمة ويعيد الحياة إليها. 

عمل الروّاس في بداية حياته بصناعة المِحراث الزراعي التراكتور ولكن الامر لم يُنسِه تلك الحِرفة التي قال إنها صناعة محبّوها كثر لذلك يتوافدون إليه من مختلف المناطق: الجنوب النبطية صور الجبل بيروت وطرابلس لا سيّما أنّ عمله بحسب تعبيره يعتمد على الفرادة والجودة والمتانة التي من شأنها إضفاء قيمة عاليه على العمل ليس ماديًا إنّما تراثيًا واجتماعيًا «ففي حرفتنا التميّز مطلوب ومادة الخيزران طيّعة لصنع أشكال فريدة تتخذ صورًا جميلة تعطي زائرنا التراث والفن والذوق والراحة في آن». 

شرف الطليعة 

ويشير الروّاس إلى أن الشكل أو الموديل يخضعان لأسس عديدة منها إمكانية تغيير التصميم في لحظاته الاخيرة لإنهائه وتعديله ما يعني إبراز الفرادة في ما نصنع. ويقول: «إن لم يكن هناك تجدّد وتحديث في كلّ عمل فنحن لا نستحقّ ادّعاء شرف الطليعة في مهنتنا» مشدّدًا على إن ما نسعى إليه دائمًا هو مواكبة متطلّبات التطوّر العصرية وتصميم ما هو خارج المألوف واللاعاديّ». 

وأشار إلى أنّ كل عمل مهما كان حجمه أو صعوبة صنعه يأخذ من التصميم والتصنيع مدّة أسبوع على الأقل «لأننا نتّبع الطريقة اليدوية في صناعتنا. أمّا المواد التي نستعملها فهي عبارة عن الخام أو ما يسمى القشّ المشبّك المخرّم في صنع أطقم الجلوس والكراسي العربية وأشياء أخرى تعدّدت أشكالها وأحجامها فكل عمل خاضع لميزانية الزائر وقدرته وهذا الامر لا يفقد العمل أهميته وجودة صناعته وصلابته بالنسبة إلينا لأنّ الزبون يستطيع أن يبدي رأيه من ناحية زخرفة الشكل من دون التدخّل في جوهر التصميم وميزته يعني إذا أراد زائرنا إضفاء زيادات على العمل بالطبع سيؤدي إلى زيادة كلفته لذلك هناك في مستودعنا القديم والجديد كلّ بحسب ذوقه ورأيه وطبعه فهذه المهنة تمزج بين الأمور الثلاثة من دون المساس بجمالية حِرفتنا وصناعاتها». 

ويقول: «على سبيل المثال ذاك الكرسي القديم الصغير الذي كان يجلس عليه الكبار والصغار شكله مربّع ويعلو سطحه حبل مشدود لا ظهر له كان يصنع من البلاستيك هذا النوع من الكراسي رغم تفاوت صنعه بين القش والبلاستيك إلا أنّه ما زال مطلوبًا حتى يومنا هذا وما اختلف فيه هو صنعه من القش والخيزران معًا. صحيح أنّ كلفته زادت لكن الجلوس عليه مريح أكثر بعد أن اصبح شكله مرتفع الظهر والقوام ولأنه يقاوم عوامل الطبيعة من ماء وشمس وهواء أفضل بكثير ممّا هي عليه الكراسي الخشبية العادية». 

الدولة تدعم 

ويضيف المعلّم سلمان كما يناديه مساعدوه: «إنّ الدولة مشكورة على دعمها لنا من خلال التوصية باستحداث كراسٍ للمقاهي مصنوعة من الخيزران تشجيعًا منها لهذه الحِرفة ولما يحويه الخيزران من فوائد صحية للانسان من جهة والمحافظة على تراث المقهى اللبنانيّ الاصيل من جهة أخرى». 

أصناف ومنافسة 

وعن المواد المستعملة وصناعتها أوضح سلمان: «إنّ مادة الخام أي الخيزران والقشّ مكلفة لجودتها ومتانتها العالية التي لا تعرف حدودًا لا لزمان ولا لمكان وتعود هذه الاسباب أيضًا إلى البلد وطبيعته التي ينمو فيها فالخيزران الماليزيّ هو من أهمّ الانواع التي نضعها في مهنتنا ويعرف ذلك من لديه خبرة في هذا المجال كذلك الصينيّ فهو ذو جودة تعتبر أرضية أساسية في بناء هيكلية مصنوعاتنا». 

وأوضح «أنّ ما يستورد من منتوجات الخيزران من السوق الصينية لا يمتّ بِصلة لأصالة عملنا بنوعيته وجودته لأنهم في بلده المنشأ يعملون على إدخاله إلى الأفران لتلوينه بواسطة الآلات البخّاخة لتوفير الوقت واليد العاملة وهذا ما يفقد في صناعته القوة والصلابة ويضعف بنيته الداخلية لتصبح هشّة قابلة للكسر السريع. بينما نحن لا ندخله إلى الأفران ولا نعرضه للحرارة بل ندهنه يدويًا إمّا بآلة كهربائية خاصة للدهان الفرد أو بواسطة فرشاة. لهذا السبب المنتجات الصينية ليس لديها استمرارية للبقاء بعكس منتجاتنا التي تعيش مئات السنين». 

وللحفاظ على هذه المهنة أشار سلمان إلى أنه حاول إقناع زملاء له في هذه الحِرفة بإنشاء نقابة ينضوون تحت لوائها «إلّا أنني لم ألقَ صدى من أحدهم يشجّعني على المضيّ قدمًا لأنه باعتقادهم اللجوء إلى عمل منظّم كالنقابة هو عمل آيل للغشّ وستسقطه الفوضى لأنّ كل النقابات في لبنان فشلت في عملها النقابيّ ولم تؤدِّ هدفها المنشود في إحراز تقدّم على أيّ صعيد بسبب ما تواجهه من صعوبات في مجتمع كل ما يبنى فيه يعمل ضده في غالب الأحيان». 

لا مشاركة في المعارض 

وأعلن المعلّم الروّاس أنّه يرفض فكرة المشاركة بمعارض حِرفية لما تشكّله هذه الأخيرة من ظلم له وللمهنة «بحيث لم تترك للمنافسة الشريفة مكانًا في ظلّ أنواع صينية وغيرها تسلب منّا حق التفرّد الطليعيّ في الصنع والتصميم والبيع ولأنّ العالم اليوم سوق عرض وطلب وحِرفتنا اليدوية هذه عمرها مئات السنين تريد سندًا ودعمًا لتبقى وترقى بالانسانية إلى مستوى الحسّ الفنيّ الرفيع الذي كلّما كبرنا بالسنّ أو العمر أصبحت الحاجة إليه أكبر وأكثر لأنه نابع من أرضنا وعاداتنا وتقاليدنا البصمة التي دمغنا بها منذ نعومة أظفارنا لتتجلى فيها صورتنا ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا وكما الامر في كل مهنة تحتاج إلى المتابعة والمثابرة من قبلنا ومن قبل الدولة لتقف في وجه كل ما من شأنه إعاقة تطوّرنا وتقدّمنا كلبنانيين في المجالات كافة». 


Script executed in 0.19296908378601