إنجلينا إيخهورست، سفيرة الاتحاد الأوروبي في لبنان، لم تتمالك نفسها. اندفعت الى التعبير بحنكة الفاعل السياسي، بعد استقبالها بحفاوة من قبل مزارعي وأهالي منطقة جرد مربين في أعالي جرود الضنية، قالت إن «التعاطي مع الشعوب يبقى أفضل من تعاملنا مع السياسيين، لأننا نطمح في الاتحاد الأوروبي إلى التواصل مع الشعوب».
ما إن وطئت قدما سفيرة القارة العجوز أرض جرد مربين النائية في الضنية، حتى سارع مزارعو تلك المنطقة وأهلها إلى استقبالها بالأرز والورود، وبحلقات الدبكة والزغاريد ونحر الخراف. فاذا بها تخرج عن البروتوكول الذي اعتادته في زياراتها لأي منطقة لبنانية. كما يقولون باللهجة المحكية «لعبتها صح». أمسكت بأيدي البعض وشاركتهم حلقات الدبكة ومبارازات السيف والترس.
زيارة إيخهورست إلى منطقة الضنية، هي الأولى منذ تسلمها مهمّاتها، كانت بهدف إطلاعها عن كثب على مشاريع البنى التحتية المتعلقة بالقطاع الزراعي التي ينفذها الاتحاد الأوروبي، بالتعاون مع مجلس الإنماء والإعمار، بقيمة 4.5 ملايين يورو، من أصل 18 مليون يورو مخصصة لمثل هذه المشاريع، 9 ملايين منها لمنطقة عكار، و4.5 ملايين لمنطقة الهرمل. وهي المناطق الاكثر فقرا وحرمانا في لبنان.
قرابة 500 متر هي المسافة التي قطعتها إيخهورست فوق طريق ترابية، حيث توقفت سيارتها، مشت باتجاه منزل احد مزارعي جرد مربين، هناك تجمّع عدد من المزارعين تحت شجرة جوز معمرة، وقدّموا إليها ثمار أرضهم من التفاح والجوز، وتناولوا معها أكواب الشاي، بينما تسابق الحضور إلى التعبير لها عن شكرهم لتنفيذ الاتحاد الأوروبي مشاريع حيوية كهذه بالنسبة إليهم، بينما كانت تحرص على التحدث معهم بلغة عربية «مكسرة».
اوضح لها المزارعون أن «منطقتهم، بعد تنفيذ المشاريع، ستكون واحدة من أهم مناطق الإنتاج الزراعي في لبنان»، وأن «مساحة الأراضي التي تستفيد من هذه المشاريع تبلغ نحو 4 ملايين متر مربع، وأنه يبقى قرابة 30 % من أراضي جرد مربين تحتاج إلى مشاريع مماثلة»، فوعدت إيخهورست بدرس إمكانية المساعدة على تنفيذها بعد تقديم مقترحات وطلبات بهذا الخصوص، الا ان العبرة التي اراد المزارعون التركيز عليها «أن الدولة كان بامكانها ان تنفق مثل هذه المبالغ الزهيدة لتغيّر احوالهم نحو الافضل... ولكن اين هي هذه الدولة التي تتركهم يشحدون مساعدة من الخارج للتعويض عن غيابها».
لم تستطع إيخهورست أن تكتم ردود فعلها، إذ قال لها أحد المزارعين: «نأمل أن يتعامل الاتحاد الأوروبي معنا مثلما يتعامل مع شعوبه، لأننا نريد أن نتطور، فنحن شعب فقير ولا معين لنا إلا الله». الا ان مفاجأتها الأكبر كانت عندما القت كلمتها في ختام جولتها، في أوتيل الجزار في بلدة سير، فما إن اعلنت استعداد الاتحاد الأوروبي لمساعدة المنطقة، حتى وقف أحد الحاضرين وهتف بصوت عالٍ: «نحن نريد من الاستعمار الأوروبي أن يعود إلى بلادنا، حتى نجد من يهتم بنا ويساعدنا!».
إيخهورست التي عبّرت لـ«الأخبار» عن سعادتها بزيارة المنطقة للمرة الأولى، التي ستليها زيارات أخرى بكل تأكيد، حسب قولها، لفتت إلى أن انطباعها الأول الذي كونته عن الضنية أن «جمالها الطبيعي نادر جداً، ولم أره في أي منطقة أخرى زرتها سوى في منطقة البلقان». وعما لمسته من حاجات المنطقة، قالت إن «المنطقة مهيأة لأن تكون منطقة زراعية ومتطورة بامتياز، لأن كل الإمكانات الضرورية للقطاع الزراعي متوافرة فيها»، موضحة أن الاتحاد «ينسق مع مجلس الإنماء والإعمار من أجل تنفيذ مشاريع كهذه بهدف تلبية حاجات الناس وبقائهم في أرضهم».
في حفل الاستقبال الذي أقيم لها في أوتيل الجزار، بعد انتهاء جولتها، قدّم إليها رئيس بلدية سير، أحمد علم، مفتاح البلدة عربون تقدير، وعندما سألته ضاحكة «ماذا سنفتح بهذا المفتاح؟»، ردّ علم : «سنفتح به القلوب!». أما رئيس اتحاد بلديات الضنية، محمد سعدية، فلفت في كلمته إلى واقع الضنية الصعب، اذ إن «58.6 % من سكانها يعيشون تحت خط الفقر»، و«القطاع الزراعي الذي يعد مصدر عيش معظم سكان المنطقة، يعاني صعوبات عديدة، أبرزها غياب البنى التحتية الزراعية ودورات التوعية».
المشهد كان لافتا في كل مراحل جولة إيخهورست. اصطف أطفال ونساء ورجال على الطريق نحو جرد مربين مرحبين بها، وفي بلدة بقرصونا رُفعت الأعلام اللبنانية والأوروبية وردّد الأطفال هتافات «أنجيلينا، أنجيلينا»، وتعليقا على ذلك قال سعدية إننا «نقدّر أهمية المشاريع المنفذة بتمويل من الاتحاد الأوروبي، واهتمامكم بالإنسان على نحو عام أينما ذهبتم وأينما حللتم».
هذه المشاريع بحسب مدير قسم التخطيط في مجلس الإنماء والإعمار، المهندس إبراهيم شحرور، «تتضمن إقامة مشاريع بنى تحتية تعنى بالقطاع الزراعي (طرقات زراعية، قنوات ري وبرك)، إضافة إلى مشاريع أخرى رديفة اجتماعية وتربوية وصحية، من شأنها تأمين فرص عمل، والحفاظ على البيئة». واوضحت إيخهورست «لدينا اليوم، من خلال مختلف البرامج، أكثر من 70 عقد دعم بقيمة تبلغ حوالى 50 مليون يورو»، وقالت إنه «في مواجهة تداعيات الأزمة السورية، وخصوصاً في منطقتكم المتأثرة بها بشدة، نعمل على تخصيص تمويل جديد للمجتمعات المحلية التي تستقبل نازحين سوريين»، لكنّ إيخهورست حثت على «الحفاظ على الموارد الطبيعية في الضنية، لأنها احتضنت أجيالاً من اللبنانيين واللبنانيات، وهي مهددة بالانقراض».
غادرت إيخهورست المنطقة وبقيت لافتات الترحيب بها باللغتين العربية والفرنسية. الفقراء هناك سيرددون كثيرا «استعمرونا... هذا اكثر حفظا لكرامتنا من دولة ميتة».