كان رامي في تلك اللحظة المحاصر فيها بالصمت صورتنا جميعاً. كان صورة المواطن العادي الذي علق في الدوامة التي ألقي فيها من دون سبب ومن دون أن يفهم شيئاً. المواطن الذي تعلّقت حياته بكاملها بلحظة حظ، والذي لم يعد يرى الأشياء أمامه بالرغم من وضوحها بسبب الصدمات المتكررة فوق رأسه. مثل الرجل الذي وصل كالمجنون إلى المستشفى يسأل عن ولده الذي لم يعرف مصيره بعد. ظلّ يصرخ طوال الوقت: «أين السلم؟»، ليصعد إلى غرفة العناية الفائقة حيث ظن أن ولده هناك، مع أنه كان يقف على أول درجة من درجات هذا السلم.
بعد لحظة الموت ولحظة الدم كل ما يُقال أو يُكتب يصير تافهاً. يصير مكرراً وممجوجاً ومستهلكاً. ومرة بعد أخرى يفقد الكلام روحه، فيصبح كمثل الذين يفقدون حياتهم في بلاد الموت من دون سبب. يصير الكلام أبلهاً مثل الرائحة التي تخدر الأنف في غرفة طوارئ مستشفى بيروت الحكومي، وكل مستشفى يصل إليه الناس بعد مصيبة. الرائحة التي تمزج ما بين مواد الأدوية وعبق المطهرات والجثث المتفحمة والدم المسال، وقبلها كلها رائحة القلق الذي يأكل ناس هذه البلاد.
اسمها نور النهار البنغلادشية التي أسندت رأسها المصاب على السرير تتفرج على الناس. وبالرغم من تقطيب الرأس ظل ينزف دماً أحمرَ من تحت الضمادة ويصل إلى عنقها وصدرها. وهذا الاسم الجميل، نور النهار، يليق بصاحبته السمراء. فبالرغم من هول ما أصابها لم تفارق الابتسامة وجهها لسبب غير واضح. الغريبة التي أتت من البلاد البعيدة إلى هذه البلاد التي نسي أهلها الله لم تتوقف عن الابتسام لحظة. الغريبة نفسها التي نسقط كل ألوان عنصريتنا فوق رأسها الجريح هذا عندما نصاب نحن وإياها لا تملك سوى أن تبتسم لنا من كل قلبها. ربما لأنها متمسّكة بالحياة في المكان الذي كتب عليها أن تكون فيه، على عكسنا نحن الذين نهيل التراب فوق موتانا، نتمنى الشفاء لجرحانا، ثم نركض إلى أبواب السفارات بعد كل مصيبة. ولعلّها أدركت أن الحظ قد أنقذها في هذه المرة فتوجّب عليها أن ترد التحية إليه بمثلها.
والحظ لم ينقذ نور النهار فحسب، بل أنقذ أيضاً في اللعبة التي يجيدها زوجاً ينتظرها في الأرض البعيدة وابنة صارت صبية على غفلة من أمها تنتظر لقاءها بشوق مرة كل بضع سنوات.
لقد رأيت الشاب الثلاثيني الممدد على السرير من قبل. في تفجير آخر، وفي مستشفى آخر، وفي نتيجة واحدة كان اسمه فريد زبيب. كان يحمل الإصابات نفسها ونجا منها بلعبة الحظ ذاتها. الحظ الذي أنقذ سنان وأمه أمس عندما وجدا مكان الشمس على شرفة منزلهما انفجاراً أحرقهما. الحظ وحده الذي يختار أن ينقذ أناساً ويترك آخرين في البلد الذي تحوّل إلى لعبة أمم قاسية قد تنقلب في فترة قريبة إلى مدينة ملاهٍ مجنونة بحسب ما ينذرنا الآتي من الأيام.
كان ملاك الموت في طوارئ مستشفى بيروت الحكومي أمس يلعب مع الحظ لعبتهما الأبدية. مع ذلك، فإن فينا شيئاً يهوي بعد كل حرب صغيرة. أو لعلنا قد متنا حقاً لكننا ننتظر الانفجار التالي أو الرصاصة التالية من أجل التأكد من أن اللعبة قد انتهت.