أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

منطقة أثرياء الضاحية ترفع الأضرار

الخميس 21 تشرين الثاني , 2013 10:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 4,672 زائر

منطقة أثرياء الضاحية ترفع الأضرار

«لا يتضرر الفقراء وحدهم من الانفجارات، إنما نحن أيضاً»، يقول عدد من سكان منطقة بئر حسن.

فهذه ليست منطقة السفارات، إنما قبل ذلك، منطقة سكن أغنياء الجنوب ممن هاجروا إلى أفريقيا ودول أخرى، ويتم وصفهم بأغنياء الضاحية، لأنهم يشكلون امتداداً لأهلهم واقاربهم المقيمين هناك.

عندما وقع الانفجار أمام مقر السفارة الإيرانية، اختلطت المنطقة من جديد بزوار الضاحية، للتفقد والاطمئنان، مثلما توحدت المشاعر والمواقف. تقول شقيقة إحدى السيدات القاطنات في المنطقة، بعد مجيئها لمساعدة شقيقتها في تنظيف المنزل: «يعتقد من يضع المتفجرات أنه سيجبرنا على القول خلص، لكننا لن نقولها لهم». تضيف: «يريدون أخذ أولادنا ورجالنا منا، لنر ما الذي يمكنهم فعله بعد ذلك؟». 

وتوضح صاحبة المنزل أن زوجها، الذي يعمل في الخليج، كان يريد لهم الهجرة إلى كندا، لكنها أرادت العيش في بلدها، وهي تدفع اليوم ضريبة الايمان به، والعيش فيه، ثم تسأل: «هل يريدون لنا أن نكون مهاجرين؟». تروي صاحبة المنزل بنفسٍ متقطع كيف خرج ابنها (21 عاماً) إلى الشرفة، لمعرفة ما يجري بعد وقوع الانفجار الأول، ثم وقع الانفجار الثاني وهو لا يزال هناك. وعندما تشاهد الشرفة المغطاة بالزجاج المكسر وإطارات الأبواب، تردد هامسة: «كيف سلم؟». وتجيب: «الله سلمه». تبكي، ثم تعثر على شظية من حديد، وتقول: «يا رب، لو انغرست في جسده ما الذي سيبقيه سالماً؟».

أمام السفارة وحولها تشلعت أبواب الشقق السكنية الفخمة، وتكسر أثاثها الثمين، وتحفها وثرياتها، وزجاجها، وانهال الغبار على السجاد العجمي، ودخل الهواء من الشرفات المفتوحة، ولم يعد يوجد ما يحميها، بينما تحول الجميع إلى عمال تنظيفات، حرس المباني، والخدم في المنازل، وأفراد العائلات، نساء ورجالا وأولادا. ولم يكن أي صوت يعلو في صباح اليوم التالي للانفجار على صوت الزجاج المتكسر الذي تتم إزالته. 

تنتقل إلى شقة ثانية، فتقول صاحبتها: «لقد دعاهم حزب الله إلى القتال في سوريا، لكنهم اختاروا المتفجرات وقتل المدنيين». لهذا هم في رأيها «جبناء لا يستطيعون مواجهة رجال الحزب».

وتوضح جارتها الصبية في مقتبل العمر أن زوجها يعمل في نيجيريا، واضطرت إلى العيش في بيروت بعد مرض إحدى ابنتيها بسبب عدم مواءمة أجواء افريقيا لها. وقد اصبح لها في بيروت منذ العام 2006. تقوم بفرش منزلها على مهلٍ، زينت الأبواب الداخلية بالزجاج المحجر والملون، وزينت الجدران، وفرشت غرف النوم، ولم يبقَ أمامها سوى فرش الصالونات. لكن الانفجار كسر الزجاج والزينة، وعادت إلى الصفر. كانت ابنتاها في المدرسة لدى وقوع الانفجار، وترغب بالعودة إلى نيجيريا، لكنها لا تستطيع بسبب الوضع الصحي لابنتها.

لدى دخول الشقق، تجد الأبواب المكسرة عند أسرّة غرف النوم، لأن السرير يكون عادة عند باب الشرفة أو النافذة. تقول فاطمة زوجة حيدر حيدر إن صهرها عماد حيدر أصيب لأنه كان على الشرفة، بينما كان ابنها نائماً ووقع باب الشرفة على السرير، فاصيب بجروح طفيفة في رجليه.

وفي المبنى الأكثر قرباً من السفارة، كان علي شرارة وزوجته لا يزالان نائمين لدى وقوع الانفجار، ولو أنّهما مستيقظان لكانا جلسا على الشرفة. وقد انتقلا إلى شقة ثانية بعد تكسر أثاث منزلهم.

أمام المبنى كان عم الشاب المفقود بلال قداحة، ينتظر رفع الأدلة الجنائية لمعرفة مصير ابن شقيقه. يعمل بلال سائقاً لدى عائلة آل سلهب، وعندما وقع الانفجار الأول ركض لمعرفة ما يحصل، فانفجرت السيارة قبالته مباشرة مع شاب سوري يعمل حارسا في مبنى مجاور للسفارة.

 

ملابس سوداء

 

نادراً ما تجد لدى سكان بئر حسن أولاداً يقاتلون في صفوف «حزب الله»، فهؤلاء يتعلمون في أرقى المدارس والجامعات. لكن عدداً منهم قال لدى الحديث معه: «لن نرحل. نحن فداء للحزب».

وقف الفتى علي مطر (14 عاماً)، في الشارع مع اثنين من أقرانه، بملابس سوداء، في مشهد جديد على أبناء نادراً ما يخرجون إلى الطريق. يقول علي إنه كان في المدرسة لدى وقوع الانفجار، بينما بقيت والدته مع شقيقاته والعاملة المنزلية في المنزل. وقدم والده من العمل لمرافقته من أجل الانضمام إلى بقية أفراد العائلة، بعد تكسر منزلهم. ويوضح صديقه علي عواضة أنه كان في «مدرسة الكوليج بروتستانت»، وبقيت أمه في المنزل مع شقيقه. وقد علم بعد عودته أن شقيقته كانت، لحظة وقوع الانفجار، على وشك الخروج من المنزل للذهاب إلى الجامعة. يصمت ثم يقول: «لو خرجت شقيقتي ربما كانت، لا سمح الله، في عداد الأموات». ويضيف أن والده مهاجر إلى افريقيا، وصادفت زيارته عائلته مساء اليوم الذي وقع فيه الانفجار. ثم يؤكد: «هذا وطننا لن نتركه، لن نسافر، الحجر بيرجع يتعمر، وكل ما فعلوا بنا ما يفعلونه، أصررنا على البقاء».

واستناداً إلى إحصاء أجرته بلدية الغبيري، تبين أن أربعة عشر مبنى تضررت بشكل مباشر، بينما يبلغ عدد الشقق المتضررة مئة وخمسا وستين شقة، بينها اثنتان وتسعون شقة هي الأكثر تضرراً. وقد نظف عمال البلدية محيط السفارة الإيرانية ليلاً باستثناء المنطقة التي تم تزنيرها بالشرائط من أجل رفع الأدلة الجنائية. وساهموا في إطفاء الحرائق لدى وقوع الانفجار. 

 

تراجع

 

في الجانب الآخر من الطريق الرئيس الفاصل بين السفارة ومنطقة الجناح، تشكل المؤسسات التي نمت في المنطقة، سوقاً تجارية بين بيروت والضاحية، بعد تراجع سوقي الروشة والمزرعة. وقد ساهمت في نموها الطفرة السكانية التي حصلت في المنطقة، لكنها تشهد حالياً انحساراً بسبب الوضع الأمني والاقتصادي. يقول مدير صالة للأدوات المنزلية، حسن عبد الله، إن «الوضع أصلا سيئ بانفجار ومن دونه، فقد تراجعت نسبة المبيعات عن العام الماضي بين أربعين وخمسين في المئة، بسبب الوضع في سوريا، وانفجاري الضاحية الجنوبية، وتدني القدرة الشرائية، ولم يعد يشتري الأدوات الكهربائية سوى المضطر، أي من يتعطل لديه براد أو غسالة أو جهاز تلفزة».

ويوضح أن مؤسسات بيع الأدوات الكهربائية كانت تعتمد في السابق على بيع مجموعة الأدوات الكهربائية كاملة، سواء لدى تأثيث المنازل أو تجديد الأدوات الكهربائية. وكان لدى المؤسسة زبائن خليجيون، فرشوا منازهم في الجبل وبيروت، واشترى منها العام الماضي نازحون سوريون ميسورون، من أجل منازلهم التي استأجروها.

اما بعد انفجار الأمس، فقد توقف المبيع تقريباً، على أمل عودته إلى الانتعاش في موسم التنزيلات والعروض الشهر المقبل. ويشير عبد الله إلى أن خمسين في المئة من زبائن المؤسسة من بيروت، وخمسة وعشرين في المئة من الجبل، وخمسة وعشرين في المئة من الضاحية، ولدى حصول انفجار يحاذر الزبون البعيد عن المنطقة المجيء. 

بدوره، يوضح مدير صالة في مؤسسة تجارية، عاطف حلاوة، أن نسبة زبائن المؤسسة من بيروت تبلغ عشرين في المئة تقريباً، وفي اليوم الذي وقع فيه الانفجار لم يدخل إلى المؤسسة أي زبون، وفي اليوم التالي دخل خمسة زبائن حتى الظهر. ويؤكد تراجع نسبة المبيعات عن العام الماضي، بنحو أربعين في المئة.

ويعيد تراجع عدد الزبائن الذين يشترون مجموعة الأدوات الكهربائية كاملة، ليس فقط إلى الوضع الأمني، وإنما إلى تراجع نسب الزواج، معتبراً أن تلك الأزمة هي الأكثر خطورة على حركة السوق. وفي مؤسسة لبيع الملابس، كان عدد الزبائن يعد على الأصابع. وترى بائعة فيها أن ما يحصل حالياً يشكل حالة غير مسبوقة، الجميع ينتظر موسم التنزيلات من أغنياء وفقراء ومتوسطي حال. وتوضح أن غالبية زبائن المؤسسة من أهل المنطقة، لكنهم يبحثون عن الأسعار الرخيصة. أما الملابس الغالية الثمن فهم يمرون من أمامها ويغادرون، مع العلم بأن الأسعار مدروسة. وفي الحالات كلها، يغيبون يومين أو ثلاثة ويعودون».


Script executed in 0.19706797599792