إذ أعلن «institute on medicine as profession» في نيويورك، إحدى المؤسسات الداعمة للتقرير، بأن بعض الأطباء والمعالجين النفسيين قاموا، منذ ايلول 2001 وبأمر من وكالة المخابرات المركزية (سي آي أي)، ببعض الممارسات غير الأخلاقية والعنيفة تجاه السجناء ومنها: التدخل في التحقيق بطريقة سيئة، زيادة القلق والتوتر عند السجناء، استخدام المعلومات الطبية لأهداف في الاستجواب، إطعام المضربين عن الطعام بالقوة وغيرها. يعيد التقرير إلى الأذهان قضية سجن أبو غريب في العراق، ومعتقل غوانتانامو حيث شارك بعض الأطباء في عمليات التعذيب أو أغفلوا عنها.
يشير رئيس قسم الجراحة التجميلية والترميمية في المركز الطبي في «الجامعة الأميركية» الدكتور غسان أبو ستة، خلال مؤتمر «الأطباء، التعذيب وأخلاقيات الطب» الذي نظمه «برنامج سليم الحص للأخلاقيات الإحيائية والاحتراف» التابع للمركز أمس الأول، إلى أن بعض الأطباء الإسرائيليين يشكلون جزءاً أساسياً من ممارسات التعذيب في السجون الإسرائيلية من خلال تزوير التقارير الطبية أو التخفيف من الإصابات، السكوت عن ممارسات التعذيب، إعادة الضحية إلى جلادها الذي يستمر في تعذيبها، مشاركة الأطباء في الاستجواب، المساومة على الأدوية والمسكنات بغية انتزاع الاعترافات من مقيّدي الحرية، قبض الأطباء رواتب من الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، ما يشكل تضارباً في المصالح، تسريب المعلومات الطبية وعدم المحافظة على سرّيتها.
تطرح تلك التقارير والقضايا، اليوم، تساؤلاً عالمياً كبيراً في شأن ضلوع الأطباء في ممارسات التعذيب، والروادع الأخلاقية التي تحدّ ذلك.
يشرح البروفسور في أخلاقيات علم الأحياء في «جامعة مينيسوتا» في الولايات المتحدة ستيفن مايلز أن بعض الأنظمة تحتاج إلى الأطباء لممارسة التعذيب النفسي والجنسي والصدمات الكهربائية، التعذيب من دون ترك آثار، والتكتم على أسباب الجروح والوفاة، ومحاولة إبقاء على قيد الحياة من يفترض بقاؤهم أحياء، تزوير التقارير الطبية وأسباب الوفاة.
تدفع أسباب عدة الأطباء العسكريين والمدنيين لتلك الممارسات: النفي بالمشاركة، الأوامر العسكرية، الخوف، الاعتقاد بأن الأمر واجب وطني وغيرها. لا تتم معاقبة سوى عدد قليل من الأطباء الذين تحميهم، في العادة، الأنظمة والسلطات.
ويلاحظ مايلز ارتفاع عدد العقوبات بحق الأطباء الذين ينتهكون أخلاقيات الطب ويضطلعون في ممارسات التعذيب، في السنوات الماضية، بسبب حركات الدفاع عن حقوق الإنسان وفضح الممارسات. تعتبر الإجراءات التي تتخذها الجمعيات الطبية أسرع من الاجراءات القضائية. وتهدف العقوبات إلى التذكير، العقاب، التعويض على الضحايا، الردع وحماية الأطباء الآخرين الذين يدافعون عن الضحايا. فعلى سبيل المثال، شطب الطبيب ديريك كيلو من المجلس الطبي البريطاني بعد حادثة وفاة المعتقل العراقي بهاء موسى.
من جهة أخرى، تعتبر أخلاقيات الطبيب وصفاته، وفق مديرة «برنامج سليم الحص للأخلاقيات الإحيائية والاحتراف» الدكتورة تاليا عراوي، صمام الأمان الأبرز لرفض الطبيب العنف والامتناع عن ممارسته وليس المقررات الجامعية أو القوانين أو المدونات السلوكية. يجب على الطبيب أن يكون ولاؤه للفرد وأخلاقيات الطب وليس للمؤسسة التي يعمل فيها. تضيف عراوي، وإن كان البعض يلجأ إلى دراسات علمية لتفسير ما قام به الأطباء في سجن ابو غريب، فلا يمكن تبرير انخراط الأطباء في ممارسات التعذيب التي تحصل داخل السجون أو خارجها. يشكل تجاهل ممارسات التعذيب وعدم الإبلاغ عنها إلى السلطات المعنية، وتجاهل وجع المريض وعدم احترام ألمه شكلاً آخر من التعذيب. وتعتبر البروفسورة في «جامعة كامبريدج» فيفيين ناسنسون أن التزام الطبيب بحقوق الإنسان والدفاع عنها جزء من احترافيته وواجبه المهني والأخلاقي.