لعل واقع هذا القطاع في مقاربة لما آل إليه في السنوات الماضية، يفضي إلى أن المواطنين لا يملكون خيارات كثيرة، فهم مرغمون أولا على الاعتناء ببساتينهم كي لا يخسروا مورد الرزق الوحيد، والمحاولة قدر الإمكان، في الحدّ من كلفة الإنتاج من خلال تضامن الأسرة في العمل. وثانيا تراجع القطاع الزراعي وانحصاره في قرى نائية غير جاذبة للاستثمارات السياحية والخدماتية.
من هنا، يلحظ مزارعون ومعنيون في الزراعة أن «زراعة التفاح في المتن الأعلى صمدت في قرى وبلدات يزيد ارتفاعها على 1300 متر، وتتركز أساساً في قرى وبلدات متجاورة: قرنايل، جوار الحوز، كفرسلوان وترشيش، وهي تملك مقومات زراعية، ومن أهمها الخزانات الترابية التي ينوف عددها على 300 خزان تم حفرها لتجميع مياه الشتاء منذ أكثر من ثلاثين عاما، وهي تعتبر عصب هذه الزراعة».
كما أن هذه القرى ما زالت تحافظ على أعراف وتقاليد ساهمت في عدم بوار البساتين، فمعاملة الأرض مرتبطة بكرامة أبنائها: «معظم المواطنين يعاملون بساتينهم كي لا يقال إنه لم يعد في مقدورهم الاعتناء بها»، يقول المزارع شادي الأعور لـ«السفير». ويضيف: «ثمة مواطنون كثر تخلوا عن القطاع الزراعي وما زالت بساتينهم قائمة، فهم يحرثون الأرض ويسمدونها ويشذبون التفاح من خلال عمال، وعند الموسم يأتي من يضمنها من التجار، حتى من هم في بلاد الاغتراب يرسلون المال الى ذويهم للاهتمام بالبساتين، كي لا يقال إن فلانا أهمل أرضه، وهنا تمثل الأرض رمزية معينة كالعرض والشرف والمناقب».
الموسم الحالي
يعتبر التفاح في المتن الأعلى ثاني أهم موسم زراعي بعد الصنوبر، وهو برغم كل العوامل الآنف ذكرها، يمثل دورة إنتاج. ومن هنا، تتجدد كل عام معاناة العاملين في هذا القطاع، ويبدو أن الموسم الحالي الذي ما زال على الأشجار، وبدأ قطافه أخيراً، ينبئ بمشكلة اقتصادية واجتماعية.
وفي هذا السياق، يوضح رئيس «تجمع تعاونيات التفاح في لبنان» غابي سمعان لـ«السفير» أن «إنتاج لبنان من التفاح السنة الماضية كان في حدود الـ167 ألف طن، صُدِّر منه 80 ألف طن إلى الأسواق الخارجية، أما الانتاج المتوقع هذه السنة فلن يتخطى الـ50 ألف طن»، أي نسبة التراجع ستبلغ حوالي 70 في المئة.
ويلفت الانتباه إلى أن «بعض البرادات لن تشرّع أبوابها لاستقبال التفاح، بحيث سيتم الاعتماد على عدد قليل منها بالتنسيق مع أصحابها والمزارعين، لأن كلفة تشغيلها كبيرة».
ويناشد سمعان وهو أيضا رئيس بلدية ترشيش ورئيس تعاونيتها الزراعية، «حكومة تصريف الأعمال ووزارة الزراعة والهيئة العليا للاغاثة، إجراء مسح ميداني لبساتين التفاح لتحديد حجم الخسائر، والتعويض على أصحابها على غرار ما حصل مع مزارعي البطاطا في عكار ومزارعي التبغ ومزارعي الزيتون، حيث تساعد الدولة في شراء الزيت منهم»، ويحذّر من أن «كثيرين من المزارعين قد يعلنون إفلاسهم وبعضهم قد يضطر لبيع أراضٍ لمواجهة تبعات أزماتهم المتلاحقة».
وعلى صعيد ترشيش، يشير سمعان إلى أن «معدل إنتاجها السنوي يقدر بـ50 ألف صندوق (سعة 20 كلغ) فيما لن يتخطى هذا العام الـ20 ألف صندوق حدًّا أقصى». أي نسبة التراجع ستبلغ 60 في المئة.
الكلفة والتعب
يشكو المزارعون من خسائر الموسم الماضي وهم يستقبلون موسما لن يعوضهم الكلفة والتعب. ويشير المزارع طوني ناصيف إلى أن «الانتاج الوفير مشكلة لان الأسعار تكون متدنية، وهذا ما واجهناه الشتاء الماضي». ويوضح لـ«السفير» ان «الخسائر تفاوتت بين مزارع وآخر، خصوصا في المتن الأعلى، حيث لم نتمكن من تصدير الانتاج الى الخارج»، كاشفاً أن «بعض المزارعين مطالبون بدفع أقساط للمصارف ولتجّار الأسمدة والأدوية».
ويتوقع المزارع فوزي المغربي ألا «يزيد الانتاج عن الـ20 في المئة مقارنة مع إنتاج العام الماضي»، ويعزو السبب إلى «موجة الصقيع التي تسببت بتساقط الأزهار في نيسان الماضي»، إذ وفق المغربي، «تشكل في تلك الفترة «الملاح» وهو عبارة عن طبقة من الجليد ناجمة عن تجمد حبيبات الندى، لذلك لا نتوقع أن يتعدى انتاج المتن الأعلى هذه السنة الـ10 أطنان فيما وصل الموسم الماضي إلى حوالي 70 طنا».
إغراق الأسواق
ينتقد المغربي «إغراق الأسواق اللبنانية بالتفاح الأجنبي، وعدم تسهيل تصدير انتاجنا، وهذا ما ساهم في تكبدنا خسائر كبيرة واضطرارنا لبيع التفاح بأسعار دون كلفة الانتاج وسط المزاحمة». ويشير إلى أنه في كفرسلوان «هناك خمسة برادات، ولا نتوقع أن تمتلئ فيما كنا سابقا نستعين ببرادات من خارج البلدة».
ويؤكد المزارع فادي حاطوم لـ«السفير» أن «البراد الذي يتسع في العادة لأكثر من 10 آلاف صندوق، لن يمتلئ هذه السنة بأربعة آلاف صندوق»، لافتا الانتباه إلى أن «المطلوب الآن أن تبادر الدولة إلى مساعدتنا في تخطي نتائج كارثة متوقعة والمعاملة بالمثل كما هو حاصل في أنواع من الزراعات اللبنانية».