قبل أيام أصدرت المديرية العامة للطيران المدني إحصاء عن الفترة الماضية من السنة الجارية (10.5 اشهر)، يتضمن حصّة كل شركة طيران من عدد الركاب المسافرين عبر مطار بيروت الدولي. وبحسب هذا الإحصاء، فإن حصّة «ميدل إيست» بلغت 38.7%، أما حصص باقي الشركات، فأكبرها 5.19% والباقي ما دون ذلك. هذه النسب ليست طارئة على السوق، بل هي تمتدّ على فترة تزيد على 10 سنوات. طيلة هذه السنوات، كانت الحصرية هي التي تمنح «ميدل إيست» هذه الحصّة الواسعة من السوق، أما ترجمتها العملية، فهي التحكّم بأسعار التذاكر.
وفي الواقع، فإن أرقام السوق تكشف الكثير عما يحصل؛ فهي تشير إلى درجة مرتفعة من التركّز في سوق النقل الجوي انطلاقاً من بيروت. ومن تبعات هذه الحصرية، أنها فتحت شهية شركات الطيران التي لا تشغّل طائراتها انطلاقاً من لبنان لتأخذ حصّتها من تبعات الاحتكار، أي الاستفادة من الحصرية بدرجة ثانية.
إذاً، كيف تستفيد «ميدل إيست» من الحصرية، ومن هم أصحاب الدرجة الثانية من الاستفادة؟ الإجابة تكمن في مقارنة أسعار تذاكر السفر في موسم عيد الميلاد، أي الحجوزات الممتدة بين 18 و26 كانون الأول. المقارنة أجريت بين أسعار طيران الشرق الأوسط وأسعار شركة الطيران البريطانية على النحو الآتي:
خط بيروت ــ لندن: سعر التذكرة 1193 دولارا على الخطوط البريطانية، و933 دولارا على ميدل إيست. للوهلة الأولى يبدو أن سعر ميدل إيست أقل من سعر الخطوط البريطانية بنسبة 21.7%، لكن ماذا عن الأسعار إلى دول مجاورة للبنان؟ الخطوط البريطانية تبيع سعر التذكرة على خطّ لندن ــ لارنكا بقيمة 855 دولارا، وتبيع التذكرة على خطّ لندن ــ عُمان بقيمة 711 دولارا، وتبيع التذكرة على خطّ لندن ــ تل أبيب بقيمة 922 دولارا.
كل أسعار التذاكر إلى الدول المجاورة والصادرة عن الخطوط البريطانية أقل من سعر «ميدل إيست»، أما الفرق الكبير في الأسعار بين عُمان وتل أبيب ولارنكا سببه المنافسة التي تتعرّض لها الخطوط البريطانية في كل من هذه الدول، فتدفعها إلى خفض سعرها خلافاً لما يحصل في لبنان حيث تزيد أسعارها على أسعار ميدل إيست لأن الخيارات المتاحة أمام المسافرين إلى لندن محصورة بـ«ميدل إيست» و«الخطوط البريطانية».
المقارنة ذاتها أجريت بين ميدل إيست والخطوط الجوية الفرنسية على خطّ بيروت ــ باريس. الميدل إيست تبيع التذكرة الواحدة بقيمة 1409 دولارات، والخطوط الفرنسية تبيعها بقيمة 1270 دولارا. أما الشركة الفرنسية، فهي تبيع تذكرة السفر على خط باريس ــ لارنكا بقيمة 922 دولاراً، وعلى خطّ باريس ــ عُمان بقيمة 669 دولاراً وعلى خطّ باريس ــ تل أبيب بقيمة 420 دولاراً.
في هذه المقارنة بين أسعار لبنان وباقي الدول التي تقع في محيطه، هناك فرق كبير في الأسعار يصل إلى أكثر من الضعف أحياناً، وهو لا يقلّ عن 27.5%، لكنه يكشف أيضاً العورة نفسها في لبنان. هي عورة الحصرية التي تدفع الشركات إلى التنافس على السعر الأعلى لا التنافس على السعر الأدنى. فالخيارات امام المسافرين هي أيضاً محدودة، لأن شركتي الخطوط الجوية الفرنسية والخطوط البريطانية لديهما اتفاقات ثنائية مع ميدل إيست لنقل الركاب وتبادل هذه المنفعة في ما بينهما، وبالتالي فإن أي راكب يرغب في السفر إلى أي من هاتين الدولتين ليس أمامه سوى خيار شراء تذكرة سفر باهظة من الشركات المذكورة، أو عليه شراء تذكرة رخيصة من شركات ذات جنسيات أخرى مع محطّة توقف قد تدوم لساعات.