بهذه الفقرة عبرت لجنة حقوق الطفل في الأمم المتحدة عن موقفها إزاء عدد الأطفال اللبنانيين المودعين في مؤسسات الرعاية الاجتماعية، لدى مناقشتها تقرير لبنان عن تنفيذ اتفاقية حقوق الطفل في العام 1998 في جنيف.
يومها، أخضعت اللجنة الوفد اللبناني لتحقيق جدي على مدى ست ساعات متواصلة، تمحور حول السياسة الرعائية للدولة اللبنانية التي تتناقض مع روحية اتفاقية حقوق الطفل، التي وقعها لبنان في العام 1990. وشمل التحقيق أيضاً استثناء لبنان الأطفال الفلسطينيين اللاجئين على أرضه من تقريره.
اليوم، وبعد 15 عاماً على موقف الأمم المتحدة، و23 عاماً على توقيع لبنان اتفاقية حقوق الطفل، من دون أي تغيير جدي في سياسته الرعائية، تفتح «المفكرة القانونية» ملف الأطفال في مؤسسات الرعاية ووجود نحو 23 ألف و500 طفل فيها. وسألت المفكرة إذا كان «عزل الأطفال الفقراء شرطاً للتضامن مع أسرهم؟» ودققت في الضمانات المتوافرة لصون حقوقهم وحمايتهم.
ولا تأتي مساءلة «المفكرة» وفتحها ملف الأطفال في دور الرعاية من فراغ. لقد استندت بذلك إلى دراستين تتمحوران حول الموضوع عينه، وتؤكد نتائجهما أن السبب الرئيس لإيداع اللبنانيين أطفالهم في المؤسسات الرعائية يعود إلى الفقر وضمان التعليم.
نفذت الدراسة الأولى «مؤسسة البحوث والاستشارات»، وقدمها الباحث رضا حمدان، فيما قدم ورقة العمل الثانية المستشار الإقليمي لـ«الإسكوا» الباحث أديب نعمه، وهي نتاج مشروع مدعوم من البنك الدولي في إطار تعزيز شروط الرعاية وتطوير معايير تعاقد الوزارة مع المؤسسات الرعائية.
تؤكد الدراستان الواقع بالأرقام والمعطيات. فبعد عشرين عاماً على استحداث وزارة الشؤون الاجتماعية، ما زالت الوزارة مجرد صندوق بريد بين الدولة ومؤسسات الرعاية التي تستهلك نحو خمسة وسبعين في المئة من موازنتها. عشرون عاماً هي أقل من عمر توقيع لبنان اتفاقية حقوق الطفل التي تلزمه بتأمين رعاية الأطفال ضمن الأسرة (المادة التاسعة) وعدم سلخ الطفل عن عائلته. ومع ذلك، فإن نحو 12 في المئة من المؤسسات الرعائية قد أنشئ بعد التزام لبنان بالاتفاقية عينها.
ولدى التدقيق في الدراستين خلال الحلقة النقاشية لـ«المفكرة»، تبدو السياسة الرعائية للدولة اللبنانية غير منفصلة عن النظام الطائفي في البلاد والمبني على المحاصصة والزبائنية والمحسوبيات. فعقود المؤسسات الرعائية موزعة بـ«العدل والقسطاس» على الطوائف. ربما ينسجم ذلك مع ترك الدولة، وفي الدستور، مهمة تنشئة الأجيال للطوائف.
إضافة إلى الأرقام الصادمة المتأتية من وجود 23 ألفاً و500 طفل في المياتم، وهي من أعلى المعدلات في العالم نسبة إلى عدد السكان، تبين دراسة «مؤسسة البحوث والاستشارات» أن عدد الذين فقدوا أحد والديهم من بين هؤلاء لا يتعدى الألف وتسعة أطفال فقط، فيما هناك أربعة أطفال لا غير فقدوا الوالدين معاً. أي أن الأطفال في المياتم ليسوا أيتاماً.
وبما أن الأهل يضعون أولادهم في دور الرعاية بسبب الفقر والتعليم، بيّن الباحث رضا حمدان أن كلفة دعم الطفل في أسرته أقل من الكلفة التي تدفعها وزارة الشؤون لمؤسسات الرعاية عن كل ولد. وبرهن أن نسب النجاح هي الأعلى عند الأطفال الذين يتلقون تعليمهم خارج مؤسسات الرعاية منها داخل المؤسسات عينها. وبالتالي، ينتفي السببان الرئيسيان لإيداع الأهل أطفالهم في دور الرعاية إذا غيرت الدولة سياستها الرعائية وتقيدت بتوجهات الأمم المتحدة لجهة عدم فصل الطفل عن أسرته. ولكن كيف للنظام الطائفي أن يتخلى عن أحد أبرز مكتسباته المتمثلة بإمساك كل مؤسسة طائفية بأبنائها في تعليمهم وتنشئتهم وضمان استغلالهم في الانتخابات والكتل المشكلة على أساس طائفي ومذهبي. يذكر أن الأهل يجدون أنفسهم مضطرين إلى إيداع أبنائهم في دور الرعاية كسبيل وحيد للحصول على دعم من وزارة الشؤون الاجتماعية أحياناً.
وكانت وزارة الشؤون، بناء على توصيات المشروع الذي تحدث عنه نعمه، قد اتخذت بعض القرارات التي تحدد معايير التعاقد مع مؤسسات الرعاية وشروط تغطية الأطفال المودعين فيها، خلال الفترة الممتدة من 2004 وما بعد، إلا أن رفض المؤسسات الرعائية للقرار حال دون تنفيذه. يومها خرج «أرباب» المؤسسات الرعائية ليقولوا إن الوزارة ودعاة تصحيح المعايير الرعائية يريدون رمي الأطفال في الشارع.
وشددت الدراستان، في معرض توصياتهما، على التأكيد أن تصحيح المعايير الرعائية «لا يقلل من أهمية الدور الذي لعبته، وما زالت مؤسسات الرعاية الاجتماعية الاهلية، في مساعدة الأطفال المحتاجين، خصوصاً في ظل عدم تنظيم سياسات الدولة»، مؤكدة أنها «لا تستهدف إنهاء الدور بل تطويره بما يتناسب وشروط الرعاية الفضلى للطفل وانسجاماً مع مبادئ اتفاقية حقوق الطفل».
نسبة المودعين
بعد تقديم من المدير التنفيذي لـ«الفكرة» المحامي نزار صاغية للإشكالية المطروحة، أشار حمدان إلى أن 18 في المئة من مؤسسات الرعاية في لبنان موجودة قبل الاستقلال، و61 في المئة قبل الحرب الأهلية، و26 في المئة خلال الحرب، و12 في المئة بعد العام 1990.
وبلغت حصة دور الرعاية 66 مليار ليرة من أصل 109 مليارات هي موازنة وزارة الشؤون في العام 2004، وبقيت الحصة نفسها حتى مع خفض موازنة الشؤون في العام 2005 إلى 88 مليار ليرة، أي ما نسبته 75 في المئة من الموازنة.
ولفت حمدان إلى أن «جميع المؤسسات الرعائية (المتعاقدة وغير المتعاقدة مع الوزارة) لا تملك أي ترخيص للعمل كمؤسسات رعائية إيوائية، بل لديها علم وخبر من وزارة الداخلية كجمعيات اجتماعية فحسب».
وتضمن رقم الـ23 ألفاً و500 طفل في دور الرعاية فقط الاطفال المقيمين في المؤسسات الرعائية في عمر الـ18 سنة وما دون، ومعهم المصنفون من ذوي الحاجات الخاصة، وذلك خلال العام 2005-2006 تاريخ إجراء الدراسة.
وتبين الدراسة وفق حمدان أن نسبة الأطفال المودعين في دور الأيتام هي 1.92 في المئة من مجمل الأطفال اللبنانيين، وهو رقم مرتفع وغير مقبول بالنسبة إلى المعايير العالمية.
ولدى التدقيق في الأوضاع النفسية للأطفال في المياتم، برزت لدى هؤلاء مشاكل سلوكية، وشعور بالوحدة ونقص بالعواطف، وافتقاد الثقة بالنفس والطموح، ومعاناة من مشاكل في التعلم والاستيعاب.
والأسوأ أن جلسات نقاش جماعية ومركزة مع الأطفال بينت تعرض هؤلاء للضرب (72 في المئة) والتأنيب والحرمان من أشياء يحبونها (46 في المئة) والصفع على الوجه (58 في المئة) والتركيع في الزاوية وشد الأذنين (46 في المئة) وكتابة قصاص (46 في المئة) والقيام بأعمال منزلية (10 في المئة). وذكر بعض الأطفال أن بعض المؤسسات كانت تمنع الاطفال من رؤية الأهل كعقاب لهم. وأكدوا أن لا إشراك فعلياً للأهل والأطفال في الأنشطة والبرامج في المؤسسات.
ورداً على سؤال «هل يشكل عاملا الفقر والتعليم سبباً كافياً ومقنعاً لإبعاد الأطفال عن أهلهم؟ وهل النظام الحالي فعال في معالجة هذين السببين؟» قال حمدان إن معدل النجاح للطلاب المقيمين في المؤسسة والذين يتعلمون خارجها هو الأعلى (87 في المئة) مقارنة مع المقيمين الذين يتعلمون داخل المؤسسة (82 في المئة)، ما يظهر أن التعليم خارج المؤسسة، أكثر «فعالية»، أو على الأقل يظهر النتيجة نفسها.
وبحثت الدراسة الكلفة التي تدفعها الوزارة للمؤسسات، فأشار حمدان إلى أن «الشؤون» تساهم في 133 ألف ليرة لبنانية عن الولد الواحد شهرياً، مشيرة إلى أن نحو 18 في المئة من هذا المبلغ يدفع للتعليم، ما يمثل 287 ألف ليرة لبنانية للطفل الواحد سنوياً (على التعليم). مع التذكير بأن كلفة تسجيل الطفل السنوية في المدرسة الرسمية (المرحلة ما قبل الابتدائية والمرحلة الابتدائية) هي 75 ألف ليرة لبنانية. وعليه، سأل حمدان «أليس من الأجدى لو أن الوزارة حوّلت المال بصورة مباشرة إلى الأسر التي ترسل أولادها إلى مؤسسات الرعاية، لأغراض محض تعليمية؟». مع العلم أن وزارة التربية أعفت التلامذة من رسوم التسجيل في السنوات الخمس الماضية التي سبقت الدراسة.
واستناداً إلى دراسة ميزانية الأسرة، في إدارة الاحصاء المركزي الصادرة في العام 1997، يتبين أن كلفة الطفل في العائلة تبلغ 118 ألف ليرة لبنانية حداً أقصى، بينما تدفع الدولة 133 ألفاً عن كل طفل لمؤسسات الرعاية. ونظرياً، إذا حوّلت وزارة الشؤون المبالغ مباشرة إلى الأهل، يمكنها أن تغطي نحو ثلاثة آلاف طفل إضافي بالكلفة نفسها التي تدفعها على 23 الفاً و500 طفل في دور الرعاية.
تقارب
تبين الدراسة التي قدمها نعمه تقارب الأرقام مع دراسة حمدان، وعليه شدد نعمه على المعايير التي وضعها مشروع تعزيز معايير الرعاية وتطويرها، مع منح الأولوية للرعاية داخل الأسرة.
وشملت المعايير، وفق نعمه، الفئات كلها، ولكنه خصص شرحه بفئة الأطفال. وعليه، يستفيد من الرعاية الطفل اللبناني المقيم أو ابن اللبنانية الذي لم يتجاوز الثامنة عشرة من العمر، وإذا لم يكن مشمولاً بأي من أنظمة التأمين الاجتماعي، على أن يستثنى من ذلك الأطفال الذين ينطبق عليهم تعريف الحالة الاجتـــــماعية الصعبة وحالة التعرض.
ويحال الطفل إلى مؤسسات الرعاية بناءً على طلب من الأهل أو أولياء الأمر، أو بناءً على اقتراح العاملين الاجتماعيين مع موافقة أولياء الأمر، أو بناءً على إحالات من الجمعيات الأهلية أو الجهات الحكومية مع موافقة أولياء الأمر، أو بقرار قضائي.
ويتوزع الاطفال المستفيدون من الرعاية في المؤسسات المتعاقدة مع وزارة الشؤون على الطفل اليتيم (أتم الرابعة ولم يتم 18 سنة)، الطفل الذي ينطبق عليه تعريف «الحالة الاجتماعية الصعبة» (أتم الرابعة ولم يتم 18 سنة)، الطفل في حالة التعرض (أتم الرابعة ولم يتم 18 سنة)، الطفل في مرحلة الطفولة المبكرة (صفر ــ 4 سنوات).
ويتم تحديد الخدمة أو الخدمات التي تقدم للمسعف ونوعها ومواصفاتها (رعاية شاملة، نهارية، نصف نهارية، ضمن الأسرة.. الخ)، واقتراح المؤسسات المتخصصة للحصول عليها، استنادا إلى تحقيق اجتماعي تجريه العاملة الاجتماعية، مع وضع اقتراحات للتدخل المناسب لكل حالة معينة.
وفصل نعمه في كل حالة، ليتبين أن اللجوء إلى وضع الطفل في دور الرعاية هو آخر الحلول، وبعد أن تستنفد السلطات المختصة الطرق الكفيلة بإبقائه في حضن الأسرة.
لكن المشروع جُبه طبعاً بمعارضة مؤسسات الرعاية وسقط إقراره في وزارة الشؤون.