ثلاثة رجال من جبل محسن، كانوا عائدين إلى منازلهم، فأوقفهم في طرابلس حاجز لمسلحين تعرفهم القوى الأمنية تماماً لكنها تصر دائماً على وصفهم بـ«المجهولين». أطلقوا النار عليهم. أصابوهم في أرجلهم، كما درجت العادة خلال الأسابيع الأخيرة. على الأرجل لا غير، تُطلق النيران. أحد جرحى امس، أصيب ـــ عن طريق الخطأ ـــ في بطنه. فعلوها بهدوء، بعد ضرب بالأيدي وشتم وسخرية، فسالت دماء المصابين على الأرض. جاءت الأجهزة الامنية، ونقلت الثلاثة إلى أحد المستشفيات البعيدة. هذا المسلسل أصبح شبه يومي في طرابلس. كل أبناء جبل محسن أهداف للقتل، أو أقله للجرح، وهذا ما أعلنته أمس جهة سمت نفسها «اللجنة العسكرية لأولياء الدّم في تفجيرات مساجد طرابلس».
كل ذلك يجري في ظل تجاهل رسمي وسياسي لما يجري. القضاء المشغول بملاحقة منتقديه، لم يعتبر نفسه بعد سلطة قادرة على ملاحقة رعاع يقتلون الناس بدم بارد في عاصمة البلاد الثانية. أما رجال الامن، فمنقسمون إلى جزئين: جماعة العميد عامر الحسن الذي لا هم له الآن سوى التأكد من التمديد له في مركزه رئيساً لفرع استخبارات الجيش في الشمال؛ وجماعة اللواء أشرف ريفي الخارج من السلك الأمني إلى الرئاسة الفخرية لنادي زعران المدينة. السياسيون الآخرون ليسوا أفضل حالاً. يتسابقون على خطب ود الهمج الرعاع، وعلى دفع المال لهم ليشتروا به سلاحاً ورصاصاً يقتلون به جيرانهم وأبناء جلدتهم. الرئيس نجيب ميقاتي يُطلق يد مساعده رامي الرفاعي في تقديم «المعونات الاجتماعية» لحكام شوارع مدينته. اما تيار المستقبل، فرجاله ينافسون «داعش» و«جبهة النصرة» في التحريض، بذريعة «الخوف من انتقال الجمهور إلى أحضان المتطرفين». لم يبق امامهم سوى الدعوة إلى «نحر الخوارج»، بحجة سحب البساط من تحت أقدام القاعدة وأخواتها.
يبقى المشايخ الذين باتوا أولياء أمر الطرابلسيين منذ سنوات. يصمت معظمهم عن بدعة «الوازرة التي تزر وزر أخرى»، وعن سفك دم الأبرياء بغير وجه حق. الجميع صامتون. ومن يفتح فمه، يفعل ذلك بخجل. لا يجرؤ على قول الحق، ولا على دعم وضع حد جدي للهمج الذين يحكمون شوارع طرابلس.
مع بداية الأزمة في سوريا، وبعدما باتت طرابلس ساحة الدعم اللوجستي الرئيسية لمنطقة حمص، قيل إن القوى الداعمة للمعارضة السورية تريد تحويل طرابلس والشمال إلى منطقة عازلة غير معلنة، يُسمَح بتجول الأجهزة الأمنية اللبنانية بحرية فيها. حينذاك، كان أنصار تيار المستقبل يقولون إن في الامر مبالغة. اليوم، باتت الأجهزة الأمنية ممنوعة من التجوال بحرية في طرابلس التي يحكمها الهمج. وإذا استمرت الامور على هذا المنوال، قد تصل الامور إلى حد يصير معه حكم «جبهة النصرة» أهون على أهل الشمال من حكم الهمج الرعاع.
ماذا جرى امس؟
كانت كل المؤشرات، منذ ساعات صباح أمس، تدل على أن الأوضاع الأمنية في طرابلس ليست على ما يرام، وأن تطوراً ما سيحصل في الساعات المقبلة يعيد التوتر إلى المدينة. انتشر الجيش بكثافة في محيط منطقة جبل محسن، ومنع دخول أي شخص إليه إلا إذا كان من سكانه، بموازاة تسيير دوريات في شوارع المدينة. جاءت هذه الإجراءات بعد اعتداءات متكررة، أخيراً، على مواطنين من الجبل في أحياء وشوارع طرابلس، تكاد تكون يومية، وسط حملة تحريض سياسية ومذهبية واسعة.
يوم امس، ظهر في طرابلس دليل جديد على انها باتت تحت سيطرة الرعاع
مقدمات هذه الاعتداءات تعود إلى الفترة التي أعقبت تفجيري مسجدي التقوى والسلام في طرابلس في 23 آب الماضي. منذ ذلك الحين أصبح كل مواطن من جبل محسن متهماً بارتكاب التفجيرين.
في الثاني من تشرين الثاني الجاري برزت هذه الاعتداءات على نحو واضح، عندما أوقف مسلحون في منطقة الملولة باصاً يقل 14 عاملاً، بينهم 6 من جبل محسن، كانوا عائدين من عملهم في بيروت، فأنزلهم المسلحون من الباص وأطلقوا النار على أرجلهم بعدما سلبوهم أموالهم. صوّروهم بواسطة الهواتف النقالة، ونشروا صورهم على مواقع وصفحات التواصل الاجتماعي، وحصلت حملة تضامن واسعة، لكنها سرعان ما تبخرت.
تكرّر المشهد أمس. أوقف مسلحون أربعة عمال في بلدية طرابلس من جبل محسن، كانوا يستقلون سيارة تابعة للبلدية، على البولفار الرئيسي بالقرب من أفران القصر. أطلقوا النار على أرجلهم ثم تواروا عن الأنظار. (واحد من أبناء الجبل تمكن من الفرار ولم يصب بأذى جسدي).
لوحظ ان هذا التطوّر الأمني الخطير، جاء بعد تحذير هيئة علماء المسلمين، يوم الثلاثاء الماضي، من أن «استمرار الدولة في اتباع سياسة التغاضي عن محاسبة المجرمين في قضية التفجيرين قرب المسجدين، سيفتح الباب أمام أولياء الدّم للاقتصاص ممن يهدد السلم الأهلي...».
بعد ساعات قليلة على اعتداء أمس، أعلنت جهة غير معروفة من قبل هي «اللجنة العسكرية لأولياء الدّم في تفجيرات مساجد طرابلس»، مسؤوليتها عن الاعتداء على الأشخاص الثلاثة الذين كانوا عائدين على متن آلية تعود لبلدية طرابلس. في موازاة ذلك، ظهر بيان حمل توقيع «شباب أهل السّنة والجماعة في طرابلس»، حذّر من أنه «بعد التوقيف التعسفي لشباب أهل السنة في طرابلس، ومن دون أي اعتبار لهيئة علماء المسلمين» فإن «اعتقال أي شاب سني سيقابله إطلاق الرصاص وقتل كل نصيري يدخل طرابلس».
وبهدف احتواء التوتر، خصوصاً بعد رمي قنابل عدة على خطوط التماس وجرح شخصين قنصاً في شارع سوريا، وإغلاق المحال التجارية أبوابها سريعاً، سارع الجيش إلى إزالة الأعلام المرفوعة على كلا الجانبين، لكن استمرار إطلاق رصاص القنص نتج منه إصابة جنديين بجروح نقلا إلى المستشفى للعلاج. ومساء شهدت منطقة القبة توترا أمنيا، وتحديدا عند محور البقار – الاميركان، وألقى مجهول قنبلة يدوية ما أدى إلى اصابة طفل بجروح. كما تجددت الاشتباكات في الأسواق الداخلية لمدينة طرابلس، بين عائلتي شرف الدين وجنزرلي.
من جهته، أكد المسؤول السياسي في الحزب العربي الديمقراطي رفعت عيد في حديث تلفزيوني، أن «الوضع في الشمال لم يعد يحتمل»، مطالبا القوى الامنية «بوضع حد للحصار الذي يعانيه أهالي جبل محسن». ولفت عيد إلى أن «الحزب العربي لن ينجر الى المعركة لأن المعركة تحتاج إلى فريقين، فخطوات الحزب ستقتصر الآن على مظاهرة سلمية داخل جبل محسن».
(الأخبار)