أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

أولياء الدم... وأولياء نعمتهم

الإثنين 02 كانون الأول , 2013 11:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 845 زائر

أولياء الدم... وأولياء نعمتهم

يمكن الراكب في «الفان»، قربك، أو الشاب الذي يناول ركاب «الفان» ربطات الخبز من الفرن حيث يعمل، أو غيرهما، أن يكونوا من أولياء الدم. يمكن وليّ الدم ـــ لا أحد يعلم ـــ أن يكون زميلك في العمل منذ عشر سنوات. يمكن أن يكون حارس الأمن الذي توكل إليه حماية مؤسستك. يمكن أن يكون النادل الذي يناولك طعامك في أحد مطاعم العاصمة أو «الفاليه» الذي تسلمه يومياً سيارتك، أو الطبيب الذي تصحب أولادك إلى عيادته. هذا ليس حزباً تجمع عقيدة أعضاءه ولا تياراً سياسياً تعرف مرجعياته. لا يسعى مخترع «أولياء الدم» إلى قضم مجرد جزء آخر من الكعكة الطرابلسية؛ يقول الآن: أنا المدينة. كل مواطن طرابلسي من الطائفة السنيّة، يردّد أولياء الدم، وليّ على الدم الذي أريق في المدينة. بداية، هدّد أولياء الدم، بالتعاون مع فرع المعلومات، القوى السياسية والأمنية المناوئة لتيار المستقبل في المدينة باتهامهم بالتفجيرين ليضمنوا انسحابهم إلى منازلهم وإقفالهم الأبواب والنوافذ على أنفسهم. ثم اكتشف أولياء الدم، بالتعاون مع «المعلومات» دائماً، هوية المفجّر: «علوي». كتبوا على جدران المدينة: «ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة»، و«العين بالعين والسن بالسن». فأخذت المدينة، جريمة تلو الأخرى، تهز رأسها موافقة. لا تحمل الجرائم الأخيرة توقيع قائد محور طموح أو رئيس بلدية مندفع أو نائب عكاري مجنون، بل توقّعها مدينة طرابلس مجتمعة، بكل أبنائها، وكل من فيها. لم تحصل الجرائم الأخيرة في زاروب ضيق أو كاراج معتم خُطف «فان» إليه؛ بل تتالت المجازر في وضح النهار على مرأى ومسمع من كل طرابلس، بسياسييها ووزرائها ونوابها وأجهزتها الأمنية والبلدية وقواها الدينية والتربوية والتجارية. تشبه استنابات القاضي صقر صقر بالبحث والتحري الأجهزة الأمنية التي يسطّرها لها: يبلّها أولياء الدم ببولهم ويسقونها لأهالي طرابلس العلويين. من كتبوا عن مجازر الدامور وصبرا وشاتيلا والسبت الأسود وتل الزعتر والكرنتينا، رووا غالباً عن شهود اعترضوا وضمائر حاولت أن تعرقل آلات القتل. أما الروايات عن الحوادث الطرابلسية فتخلو من هؤلاء. يريد أولياء الدم القول إن المدينة كلها تفعل ذلك بعلوييها: ها هي كراماتهم «تمرمغ» في شوارعها، فيما الوزير فيصل كرامي الذي يغدقون عليه أصواتهم مشغول بكسب إرثه، وزميله محمد الصفدي يصفّق إلى جانب مفتي الشمال لميشال معوض في مهرجانه، والرئيس نجيب ميقاتي يلمّع حائط مبكاه. لا أحد يقاطع أولياء الدم لسؤالهم عمّا سيحصل لو قرر أولياء دم التفجيرات الأخرى التمثّل بهم. لا أحد يلفت نظرهم إلى أن الحلاق السبعيني الذي يتبوّلون عليه مهدّدين إياه بالقتل أعاد فتح صالونه الصغير بعد حرقه ثلاث مرات في العامين الماضيين، لاعتقاده أنه يموت يوم يغادر التل.

سابقاً كان تيار المستقبل وملحقاته دائمي التسويق بأن النظام السوري يشعل فتيل تفجير تلو الآخر في تلك المدينة، مرة لشغل الأنظار عن مدنه، وأخرى لضرب السياحة اللبنانية، ومرات لتوجيه الرسائل الى هذا السياسي وذلك الأمني. كان تيار المستقبل يخجل من القول إن «جبهة النصرة» في الصراع السوري تمثله، و«الدولة الإسلامية في العراق والشام» حلمه، والنواب المماثلين لخالد ضاهر ومعين المرعبي أساس عصبه، وبقايا الأسير جمهوره. أما اليوم فتغيّرت الأمور: يمكن أولياء الدم أن يبادروا هم إلى إطلاق الرصاصة الأولى والثانية والثالثة. آن الأوان، في اعتقاد المستقبل، لتطهير المدينة من العلويين. لا يصدق من أحرق منازلهم ومتاجرهم وحاصر مصالحهم أكثر من ثلاث مرات في العامين الماضيين أنهم كانوا يعودون إليها. لا بدّ من شلّهم وتقطيع أرجلهم. يحقق «أولياء الدم» هدف أولياء نعمتهم بنجاح. هدف المعركة الآنية بين باب التبانة وجبل محسن شغل الأنظار فقط عن تطهير مذهبيّ لم تعرف المدن اللبنانية في أكثر حروبها مذهبية مثيلاً له. هذا ولم يقل القضاء كلمته في تفجيري طرابلس بعد. يمكن أولياء الدم أن يجدوا متهمين آخرين ـــ طائفة آخرى ـــ مستقبلاً.


Script executed in 0.18702793121338