أعمال تركيب شبكة الألياف الضوئية في منطقة الشمال متوقفه منذ ثلاثة أشهر، فيما يحتاج إعطاء شركة خاصة إذناً لتصليح عطل إنترنت إلى أكثر من عشرة أيام. يتذرّع المدير العام للاستثمار والصيانة في وزارة الاتصالات، عبد المنعم يوسف، بأن ذلك مرتبط بهواجس أمنية، فيما تكشف المراسلات بين يوسف والمدير العام للإنشاء والتجهيز ناجي أندراوس ووزير الاتصالات نقولا صحناوي عن استمرار المناكفات الإدارية بين أوجيرو ووزارة الاتصالات
تتكشف معالم الازدواجية الوظيفية لعبد المنعم يوسف بأبهى تجلياتها في قضية أذونات الدخول الى مراكز الهاتف المملوكة من قبل وزارة الاتصالات والتي تديرها هيئة أوجيرو.
الرجل الذي يجمع بين وظيفة المدير العام للاستثمار والصيانة في الوزارة ووظيفتي الرئيس والمدير العام لهيئة أوجيرو، قرر أن يضع توقيعه على جميع إذونات الدخول الى الأقسام الفنية في المراكز الهاتفية وصالات الـ DSL والمحطات التابعة لوزارة الاتصالات من قبل شركات الإنترنت وشركتي الخلوي ALFA وTOUCH للقيام بأعمال الصيانة، إضافة الى دخول المتعهدين والمتعهدين من الباطن والاستشاريين الذين يقومون بتركيب وتجهيز شبكة الألياف الضوئية DWDM.
دفع المكلف اللبناني نتيجة هذا الإجراء تأخيراً إضافياً في استكمال شبكة الألياف الضوئية لعدة شهور وأعباءً إضافية شهرية للمتعهد تقدر بحوالى 149 ألف دولار، عدا عن تكاليف إضافية للشركة المشرفة. أما في حال حدوث انقطاع في خطوط الإنترنت التي تديرها الشركات الخاصة من داخل صالات الـ DSL في مراكز الهاتف، فإن المشترك يحتاج الى عشرة أيام على أقل تقدير لإعادة تشغيل الوصلات، وسط مخاوف من أن تؤدي هذه الإجراءات الى انقطاع شبكة الخلوي التي تبث من خلال أعمدة الإرسال المثبتة في أسطح بعض مراكز الهاتف، قبل أن يتحنّن يوسف بإذن دخول لإصلاحها.
تثبت هذه المعادلة الجديدة، التي بدأت في تموز الماضي، أن هيئة أوجيرو، التي يفترض أنها أوكلت بعقود لصالح المالك، وهو الدولة ممثلة بوزارة الاتصالات، باتت تتصرف على قاعدة أن هذه المراكز ملكها وليست ملك وزارة الاتصالات صاحبة الحق في التصرف بها. وما استعصي على هيئة أوجيرو من خلال سلطتها الأمنية على المراكز، يخرجه يوسف بلبوس إداري فيضع القلم الذي يوقّع به باسم أوجيرو، ويحمل قلم المدير العام للاستثمار والصيانة، فيخاطب نفسه طالباً من عبد المنعم _ أوجيرو أن لا يسمح بدخول المراكز الى أي جهة قبل الحصول على توقيع عبد المنعم _ الوزارة!
وقائع هذه القضية _ الفضيحة تكشّفت في المراسلات التي وجّهها المدير العام للإنشاء والتجهيز في وزارة الاتصالات ناجي أندراوس، الى المدير العام للاستثمار والصيانة عبد المنعم يوسف، محذراً من المعوقات التي يضعها يوسف، لاستكمال تنفيذ مشروع شبكة الألياف الضوئية الذي تنفذه شركة أريكسون، بعد استمرار منع العاملين لديها من دخول مختلف المراكز الهاتفية، منذ أكثر من ثلاثة أشهر، بغية استكمال التجارب على الأشغال المنفذة وتسليمها وفقاً لشروط العقد. كما اشتكى أندراوس من عدم قيام موظفي الوزارة وهيئة أوجيرو العاملين في منطقة الشمال بمواكبة الشركة الملتزمة لتأمين تغذية تجهيزات المشروع بالتيار في المراكز الممتدة من جرود البترون حتى قضاء عكار، مع الإشارة الى أن التجهيزات المركبة في مركز هاتف البترون تم وضعها خارج الخدمة من قبل الغير ونزع كابلات الألياف الضوئية الموصولة بها، ما أدى الى توقف الأشغال لربط قرى البترون بالمركز الرئيسي. ولفت أندراوس الى أن المهندس المسؤول في الشمال أمين نبوت أبلغ مديرية التجهيز والإنشاء أنه منع موظفي شركة أريكسون من الدخول على ضوء الاتصال الذي أجراه معه يوسف، حيث أبلغه الأخير ضرورة منع أي موظف من شركة أريكسون من الدخول الى المراكز الهاتفية التي تقع ضمن مسؤوليته، بانتظار تعليمات جديدة من المدير العام للاستثمار والصيانة. وخلص أندراوس الى أن هذا الوضع دفع الشركة الملتزمة الى المطالبة بأعباء إضافية شهرية تقدر بحوالى 149 ألف دولار، ما يحمل الإدارة تكاليف إضافية خارج نطاق العقد بسبب تأخر الإنجاز ضمن الفترة المحددة التي تنتهي في أواخر كانون الثاني 2014، كما يحمّل الإدارة تكاليف إضافية للمشرف شركة خطيب وعلمي وذلك لأسباب غير قانونية وغير منطقية. وأن التأخير الحاصل سيؤدي الى تمديد مهلة عقد الشركة الملتزمة لفترة تعادل فترة منعها من العمل. وفي مراسلة أخرى، كرر أندراوس شكواه، مشيراً الى إجراءات منع دخول الى المراكز الهاتفية طالت شركة Alcatel – Lucent وشركة الاتحاد للهندسة والتجارة CET الملتزمتين لأشغال تخصّ وزارة الاتصالات.
ردّ يوسف على مراسلات أندراوس بتكذيب الأخير، ونفيه أي إجراءات منع قام بها المهندس نبوت، وأن الأخير تمنّع فقط عن تنفيذ أي أشغال ليست من مهماته ولا تقع في إطار أعمال الصيانة والتشغيل، وأنه لا يقوم بتركيب أي تجهيزات لم يكلف بها من هيئة أوجيرو. وخلص الى أن الشركة عملت سابقاً دون إذن نبوت، ويمكنها استكمال العمل على مسؤوليتها المباشرة ومسؤولية مديرية الإنشاء والتجهيز. وخلص يوسف الى القول «من غير الجائز في ظل الظروف الأمنية الراهنة والتحذيرات العديدة، السماح بدخول عمال أجانب الى المراكز الهاتفية، وهم يعملون لصالح الشركات الملتزمة، لا يحملون بطاقة تعريف شخصية، ولا حتى بطاقة هوية أحياناً أو إجازات عمل داخل لبنان حسب الأصول. وخلص يوسف الى أنه تلافياً لأي خروق أمنية قد تصيب المرافق العامة الاستراتيجية، يطلب من مديرية الإنشاء والتجهيز تزويد مديرية الاستثمار والصيانة بخطة زمنية للأعمال التي يقوم بها المتعهدون وجدول الفرق العاملة وأسماء العاملين وجنسياتهم، ليصار الى إعلام رؤساء المناطق، وذلك بما يتلاءم مع الإجراءات الأمنية الوقائية التي صدرت عن قيادة الجيش اللبناني بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية والرسمية المختصة.
بدوره، أصدر وزير الاتصالات في حكومة تصريف الأعمال نقولا صحناوي قراراً حمل الرقم 713/1 تاريخ 24 تشرين الأول الماضي، منع فيه دخول الأقسام الفنية في المراكز الهاتفية إلا لمن له عمل في هذه المراكز من موظفي الوزارة ومستخدمي هيئة أوجيرو، مع السماح لغير الموظفين الرسميين بالدخول إذا كانوا يحملون «تصريح دخول» من المديرية العامة للإنشاء والتجهيز _ مصلحة التجهيزات، على أن يبرز حامل التصريح «أمر شغل» يخوّله دخول هذه المراكز لتنفيذ الأشغال المكلف بها. واستند صحناوي في هذا القرار الى قرار سابق صادر عام 1980 يحدد أسس العمل في المديرية العامة لإنشاء وتجهيز المواصلات السلكية واللاسلكية.
يلغي هذا القرار، من حيث الشكل، قرارات سابقة صدرت عن المدير العام للاستثمار والصيانة عبد المنعم يوسف تنظم آليات الدخول الى مراكز الهاتف لجميع شركات القطاع الخاص بهدف القيام بأعمال إنشاء لصالح مديرية الإنشاء والتجهيز، لكن الوقائع على الأرض تشير الى أن موظفي الأمن في أوجيرو يمنعون دخول أي منتدب عن شركات القطاع الخاص حتى لو كانوا برفقة موظفي وزارة الاتصالات، بمعزل عما إذا كانت مهمتهم مرتبطة بالصيانة أو بالإنشاء، ويجري إبلاغ المعنيين بضرورة الحصول على إذن مسبق من عبد المنعم يوسف قبل الدخول الى هذه المراكز. ولقد حدد يوسف آلية الدخول من قبل شركات الصيانة تقضي بإعلام المديرية قبل أسبوع على الأقل من التاريخ المرتقب للدخول تشرح فيه طلبها بالتفصيل، لتتمكن الإدارة من دراسة الطلب وإصدار إذن بالدخول. كما أصدر يوسف قراراً يحدد فيه آلية الدخول في ما خص أعمال الصيانة الطارئة التي توجب الدخول الى المراكز الهاتفية والمحطات خلال أوقات الدوام الرسمي أو خارجه وأيام العطل الرسمية. ولقد حصر يوسف قرارات الدخول للصيانة غير الطارئة بإذن خطي صادر عنه، أما في حال الصيانة الطارئة ضمن الدوام، فيعطي الإذن مدير الصيانة ميشال سيدي، وفي حال الصيانة الطارئة خارج الدوام الرسمي والأعياد، فتعطي الإذن غرفة العمليات وفق الأصول.
وتبين وثيقة إحالة صادرة عن المديرية العامة للاستثمار والصيانة، حصلت «الأخبار» على نسخة منها، أن إحدى شركات مقدمي خدمات الإنترنت انتظرت عشرة أيام للحصول على إذن دخول الى سنترال الحازمية لتصليح خط مشترك. ورغم أن هذا العطل يصنف ضمن الأعطال الطارئة، فإن يوسف أصدر قرار تنويه بهذا العمل «في ظل الظروف الأمنية الطارئة».
وعلمت «الأخبار» أيضاً أن إحدى شركات الخلوي أبلغت عن حريق يطال تجهيزاتها في مركز الأشرفية، وقد منعت دائرة الأمن في هيئة أوجيرو موظفي الشركة من دخول المركز بذريعة عدم صدور قرار عن المدير العام عبد المنعم يوسف بهذا الشأن.
الوزير صحناوي أكد أن تكرار هذا النوع من الحوادث من شأنه أن يؤدي الى أعطال على شبكتي الخلوي والإنترنت في المنطقة المشمولة بالتغطية، مع ما يترتب على ذلك من تعطيل لمصالح المواطنين وتحميل الوزير المسؤولية.
لكن صحناوي، الذي يمطر يوسف بسيل من الدعاوى الجزائية والشكاوى الى التفتيش المركزي وديوان المحاسبة ومجلس شورى الدولة، يبدو عاجزاً حتى الآن عن تغيير المعادلة الإدارية والسياسية التي تضع يوسف في موقع القرار التنفيذي المباشر عبر هيئة أوجيرو، وفي الموقع الإداري في قلب وزارة الاتصالات. يوسف لا يزال يخاطب نفسه ويصدر قرارات إدارية من «رياض الصلح» لا تلبث أن تستقر في «جارور» لا قعر له في مكتبه في بئر حسن. فيما يقف المواطن اللبناني حائراً أمام المشهد متفرجاً على تركة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي الثانية التي استقالت من وظيفتها قبل أشهر من استقالتها الفعلية ودخولها في مرحلة تصريف الأعمال.
يمكنكم متابعة بسام القنطار عبر تويتر | @balkantar
8 دعاوى جزائية جديدة
يتعاطى عبد المنعم يوسف مع قرارات الوزير نقولا صحناوي بتجاهل كامل، رغم رفع 21 شكوى بحقه أمام هيئة التفتيش المركزي، التي اتخذت قراراً حمل الرقم 19/2012 أوصت فيه بوجوب إعادة النظر بالوضع الوظيفي ليوسف لجهة الجمع بين ثلاث وظائف. ومن المعلوم أن يوسف يجمع بين وظيفة المدير العام للاستثمار والصيانة في وزارة الاتصالات، ووظيفتي الرئيس والمدير العام لهيئة أوجيرو، أي أنه يمثّل رأس الهرم في الهيئة التنفيذية والهيئة الرقابية على السواء. يفيد جدول أعدّه القسم القانوني في وزارة الاتصالات بوجود 52 شكوى ودعوى وملاحقة وتنبيه بحق عبد المنعم يوسف؛ بينها 7 مراجعات أمام مجلس شورى الدولة، لم يُبتّ أيّ منها، و7 دعاوى أمام القضاء الجزائي لم يُبتّ أيضاً أي منها، في حين بتّ التفتيش المركزي إحدى عشرة شكوى من أصل 21، وتراوحت القرارات الصادرة عن التفتيش بين حسم الراتب لمدة يوم أو يومين. كما بتّ ديوان المحاسبة ثلاث معاملات، جاءت اثنتان منها لصالح عبد المنعم يوسف.
جديد النزاعات القضائية بين يوسف وصحناوي، رفع الأخير ثماني دعاوى جزائية جديدة ضد يوسف، تسلمها القضاء المختص قبل أسبوعين، منها ما يتعلق بالنزاعات القانونية والمالية حول مستحقات أوجيرو لدى وزارة الاتصالات.