أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

اغتيال اللقيس: «حرب ظلال» بين إسرائيل والمقاومة

الجمعة 06 كانون الأول , 2013 10:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,274 زائر

اغتيال اللقيس: «حرب ظلال» بين إسرائيل والمقاومة

وبالتزامن، تحدث بيان صادر عن الجيش اللبناني عن «سيارة تحمل لوحة مكتب تأجير أقدمت على تنفيذ عمل إرهابي معاد على الاراضي اللبنانية ليل الثالث من كانون الأول الحالي» (ليلة ارتكاب الجريمة)، وذلك على نحو أوحى بأن المقصود بـ«العمل الارهابي» المنوّه عنه في البيان هو اغتيال اللقيس، وهو أمر حرصت مصادر واسعة الاطلاع على عدم تأكيده، علما أن معلومات أمنية رجحت احتمال ان يكون الجناة قد استخدموا سيارة مؤجرة وركنوها على مقربة من بولفار كميل شمعون، ومن هناك انطلقوا الى البناية التي يقطنها الشهيد ونفذوا العملية، قبل أن يغادروا بطريقة لم يتم رسم معالمها النهائية حتى الآن. 

وقالت المصادر ان التحقيق يركز حاليا على ثلاثة محاور، الأول، كيفية وصول المجرمين الى البناية التي يقطنها اللقيس، سواء أكانوا إسرائيليين (الفرضية الأكثر ترجيحا) أو عملاء، وأي طريق سلكوه قبل الجريمة وبعدها، والثاني، محاولة تبيان ما إذا كانت ثمة اتصالات مرتبطة بعملية الاغتيال، سواء بين المنفذين، أو بينهم وبين من تولوا المراقبة، والثالث، تحليل «داتا» الكاميرات التي تم جمعها من السانت تيريز الى بولفار كميل شمعون وعلى وجه الخصوص الكاميرا التي تم سحبها من البناية حيث يجد التحقيق صعوبة في تشغيلها على حد ما كشف مصدر أمني متابع. 

ويبدو أن التحقيق قد حسم أن العملية نفذها شخصان كانا يحملان مسدسين من عيار 9 ملم مزودين بكاتم للصوت، بدليل العثور على أربعة مقاذيف ومظروفي رصاص في مسرح الجريمة. 

وفي إسرائيل، استمر التعامل مع الجريمة إعلاميا، من دون أن يتورط أي مسؤول عسكري أو سياسي في إعلان مسؤولية تل ابيب، وذلك على جاري عادة التعامل الاسرائيلي مع اغتيالات من هذا النوع. 

 

أفردت وسائل الإعلام الإسرائيلية حيزا واسعا لتناول اغتيال الشهيد حسان اللقيس، لما للقضية من أهمية وعواقب محتملة. فالرجل، وفق هذه الوسائل، «هو من بين أقرب المقربين من السيد حسن نصرالله»، كما أنه الرجل الذي تولى مهمات كثيرة ومتنوعة بين قيادة القوة النارية في حرب تموز 2006 وتطوير وتحديث الوسائل القتالية ومنظومات الاتصال في «حزب الله»، ولذلك، فإن اغتيال اللقيس يشكل ضربة قاسية، مما يجعل احتمال الرد واردا وربما بشدة، وفقا للتقديرات الاسرائيلية. 

وبرغم النفي الإسرائيلي الرسمي، فإن التلميحات تتزايد لاحتمال أن تكون إسرائيل تقف خلف اغتيال اللقيس. ولعل أبرز تلميح هو ما جاء على لسان المعلق الأمني في «يديعوت أحرنوت» رونين بيرغمان الذي استذكر في مقال بعنوان «يد نصرالله اليمنى» إشارته للقيس في مقالة قبل حوالي العامين بعنوان «جيش الظلال»، ما تسمى «هيئة التنسيق» بين مسؤولين كبار من سوريا وإيران و«حزب الله» و«حماس» و«الجهاد الإسلامي في فلسطين». حينها أشار بيرغمان إلى أن ممثل «حزب الله» في هذه الهيئة ليس سوى حسان اللقيس. وكتب حينها أن «كل الباقين لقوا حتفهم في ظروف غير طبيعية، إلا اللقيس الذي ما يزال على قيد الحياة». وأمس، كتب أن «حظ اللقيس انتهى بعدما تمت تصفيته بعيارات نارية في موقف سيارات تحت بيته» في الضاحية الجنوبية لبيروت. 

وأضاف بيرغمان أن «اللقيس ناشط في حزب الله منذ أن كان في التاسعة عشرة من عمره، وأساس تأهيله يأتي من تجربته الغنية التي جمعها في تطوير وانتاج الوسائل القتالية. ويكاد يكون منذ بداية طريقه كرجل المشتريات الكبير والمنسق مع ايران في مواضيع الوسائل القتالية. وبفضله أصبح حزب الله منظمة الارهاب الأقوى في التاريخ، منظمة لديها قدرات نارية لا تملكها 90 في المئة من دول العالم»، مثلما وصف ذلك رئيس «الموساد» السابق مئير دغان. 

وأشار بيرغمان إلى أن اللقيس «كان مطلوبا ايضا في كندا وفي الولايات المتحدة بسبب نشاط شبكة خلايا حزب الله في هاتين الدولتين في بداية التسعينيات». فقد بعث اللقيس الى هناك «عناصر ذات ميول جنائية»، مثلما ورد في وثيقة شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية العام 1999. «اولئك المجرمون اللبنانيون استقروا في ونكوبر، في شمال كارولاينا وفي ميشيغين وعملوا في مجال تزوير التأشيرات بالجملة، وكذا رخص القيادة وبطاقات الائتمان وجمعوا مالا جما. وسمح اللقيس لهم بأن يأخذوا من هذا المال عمولة دسمة، طالما استُخدم معظم المال لشراء وسائل متطورة وجد حزب الله صعوبة في الحصول عليها: منظومات التقاط، جي.بي.إس، منظومات رؤية ليلية وسترات واقية من أنواع مختلفة». 

وأوضح بيرغمان أنه إثر معلومات نقلتها الاستخبارات الاسرائيلية نفذت الـ«اف.بي.آي» والاستخبارات الكندية سلسلة عمليات ضد هذه الشبكات، وفر أعضاؤها أو اعتقلوا وحوكموا بالسجن على سلسلة من الجرائم، منها التخطيط للعمليات ضد أهداف يهودية. وأضاف أنه «في المكالمات الهاتفية الاخيرة التي التقطها مكتب «اف .بي.آي» قبل اجراء الاعتقالات، سُمع اللقيس يُزايد على اعضاء الخلايا بأنهم لا يفعلون ما يكفي لمصلحة المنظمة». 

ومع الانسحاب الاسرائيلي من لبنان في أيار 2000، عمل اللقيس تحت قيادة رئيس أركان الحزب عماد مغنية. وبنى الرجلان في الجنوب اللبناني منظومة مركبة من التحصينات التي كانت لها أهداف مزدوجة: البقاء لزمن طويل قدر الامكان في مواجهة القوات الاسرائيلية البرية التي كان من الواضح أنها ستأتي ذات يوم، الى جانب حفظ القدرة على اطلاق أكبر عدد ممكن من الصواريخ والمقذوفات الصاروخية على البلدات الاسرائيلية. 

وأشار بيرغمان «إلى انتقال حرب الظلال بعد حرب تموز 2006 إلى مرحلة أخرى حيث تم اغتيال عماد مغنية في دمشق في شباط 2008 وبعده آخرون بينهم محمود المبحوح من «حماس» في دبي و«صباح أمس (الأول) جاء دور اللقيس، حين قتله ملثمان في موقف سيارات بيته». 

ويشير بيرغمان إلى أن «شكل التنفيذ ليس مناسبا لعملية بأيد اسرائيلية. كل التصفيات الاخيرة التي نُسبت لاسرائيل نُفذت بأساليب مختلفة تماما. فإطلاق النار في اشتباك في منتصف الشارع في حي بيروتي يتضمن مخاطرات لا بأس بها على المنفذين. من الصعب الافتراض بأن أحدا ما في اسرائيل، لو كانت تقف خلف الاغتيال، كان سيأذن لمقاتلين اسرائيليين يهود أن يأخذوا مثل هذه المخاطرة». 

كما أن لتحليل المعلق السياسي لصحيفة «إسرائيل اليوم» المقربة من بنيامين نتنياهو، دان مرغليت أهمية في تعداد التلميحات الإسرائيلية. فقد أشار إلى أن «اسرائيل ليست كالأطراف العربية تكذب» لكنها «لا تقر ولا تنكر، وحينما يحمر وجه الناطقين باسمها يعلم الجميع إن كانت شاركت في الفعل أم لا. ويمكن أن ينسب اليها كل شيء بشرط أن يضاف الى ذلك الشعار الذي لا معنى له وهو بحسب مصادر اجنبية». ويضيف: «يجب أن يكون اللقيس فذا في مجاله – الذي يبدو أنه التكنولوجيا والهندسة وبناء قوة حزب الله الحديثة – كي ترغب اسرائيل أن تنقض في المرحلة الحالية الهدوء في الشمال وتغتاله. فحزب الله مشغول الآن بالقتال في سوريا بحيث لا يستطيع اللقيس المغتال أن يؤثر في سلوكه اليومي. وفي مقابل ذلك يوجد للمنظمة الارهابية عداوة أخذت تقوى في داخل لبنان. ويبدو احتمال أن تكون منظمة سنية أرادت المس به بصورة قاسية كما لم يحدث منذ كان اغتيال عماد مغنية في 2008، احتمالا معقولا جدا». 

ويخلص مرغليت إلى أن «الإنكار الإسرائيلي أو تجنب الرد على سؤال: هل شاركت اسرائيل في اغتيال مسؤول حزب الله الكبير ـ يُسهل على نصرالله أن يكتفي في هذه المرحلة بالتهديدات وتوجيه الاتهام من دون أن يحرق الجليل الأعلى، انطلاقا من تقديرات ربح وخسارة منظمته». 

أما أبرز الخبراء الإسرائيليين في الشأن السوري ـ اللبناني والذي يرأس «مركز ديان لدراسات الشرق الأدنى»، إيال زيسر فاعتبر في «اسرائيل اليوم» أن رد «حزب الله» يدل على أنه تلقى باغتيال اللقيس ضربة مؤلمة «لأن المنظمة تأتي في كل يوم بمحاربيها الذين يُقتلون بالعشرات لا بل بالمئات في معارك في سوريا، ليُدفنوا. وبرغم ذلك لم يحظ اولئك القتلى بالتكريم الذي حظي به اللقيس في قنوات اعلام حزب الله». 

وأشار إلى أن رد «حزب الله» على اغتيال اللقيس ذكر لبنانيين كثيرين، لم يسمع بعضهم حتى أمس باسم اللقيس، برده على اغتيال قائده العسكري عماد مغنية في شباط 2008 في قلب دمشق. وأشار إلى أن «حزب الله وهو في ذروة مجده بعد «حرب تموز» امتنع عن الثأر لقائده خشية رد فعل إسرائيل، وهو اليوم في وضع أسوأ جراء مشاركته في الحرب الأهلية في سوريا». واعتبر أن اتهام إسرائيل لا يغير من الأمر شيئا «فهم لا يستطيعون فعل شيء سوى ذلك». 

وبرغم ثقة إيال زيسر بتقديراته، الا أن الاستنفار الذي أقدمت عليه إسرائيل قبالة الجنوب اللبناني يدل على تخوفات من احتمال إقدام «حزب الله» على رد. وربما لهذا السبب تبدو إسرائيل معنية بتوسيع دائرة الاحتمالات والاتهامات. وقد أشار المعلق العسكري للقناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلي ألون بن دافيد إلى عدم استبعاد فرضية أن تكون «منظمات إجرامية» تقف خلف الاغتيال. وفي رأيه أن «عمل اللقيس في تهريب الأسلحة تم مرارا بالتعاون مع منظمات إجرامية. ثمة احتمال بأن نزاعا مع منظمة إجرامية يقف خلف الاغتيال». وشدد بن دافيد على أن «أسلوب العمل: القتل بمسدسات، يشهد على أن المنفذين محليون. فأجهزة الاستخبارات الأجنبية تفضل غالبا عدم المجازفة وتستخدم عبوات ناسفة ووسائل لا تتطلب تواجدا في المكان». 


Script executed in 0.18583416938782