أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

دفن غامض لجثث مجهولين

الخميس 12 كانون الأول , 2013 10:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,823 زائر

دفن غامض لجثث مجهولين

وتعود معظم هذه الجثث لرعايا أجانب، من أصول أفريقية وآسيوية، توفوا على الأراضي اللبنانية في ظروف طبيعية أو على خلفية حوادث سير أو غيرها من الحوادث من دون أن يتمكن أحد من تحديد هويتهم فبقيت الجثث في برادي المستشفيين (بعضها لسنوات) غير المجهزين أصلاً لحفظ الجثث لفترات طويلة. 

ومع أن غالبية هذه الجثث والبقايا كانت النيابة العامة قد اتخذت قراراً بدفنها في فترات سابقة، إلا أن عدم وجود جهة واضحة تتولى هذه العملية جعل الأمر مستحيلاً. والمضحك (أو المبكي) أنه عندما جرى الاتصال بالمسؤولين في الوزارات الثلاث المعنية بالموضوع أي الصحة، والعدل، والداخلية، لسؤالهم عن موضوع الجثث التي جرى دفنها «افترضت» كل منها أن الأطراف الثانية تولّت إنجاز هذه المهمة.

فوزارة الصحة أصدرت بياناً مقتضباً من سطرين أول من أمس أكدت فيه أنها أجرت متابعات حثيثة وإدارة مستشفى بعبدا مع الجهات المعنية والنيابة العامة لإيجاد حلول لرفات الجثث الموضوعة في مشرحة محافظة جبل لبنان الكائنة في محيط «مستشفى بعبدا الحكومي». وأشارت إلى أنه تم نقل هذه الرفات ودفنها وفق الأصول بموافقة النيابة العامة وإشراف الجهات الأمنية والقضائية والأطباء الشرعيين المعنيين.

لم تحدد وزارة الصحة في بيانها عدد الجثث أو مكان الدفن لسبب غير واضح، ظهر لاحقاً. كما لم تذكر جثث «مستشفى بيروت الحكومي» التي جرى دفنها قبل أقل من شهر. وقال معنيون في وزارة الصحة عندما سئلوا عن الأمر إن الطبيب الشرعي «الذي يتبع وزارة العدل» بالتعاون مع الأمن الداخلي تولوا مهمة الدفن. الغريب أن المعنيين في وزارة الصحة لم يعرفوا مكان الدفن بالضبط. 

أما لدى مراجعة المعنيين في وزارة العدل فأشاروا إلى أن وزارة الصحة هي التي تولّت إيجاد المكان وأنها من يتولى الموضوع. الأمر يصير أكثر غرابة عندما يؤكد المعنيون في وزارة الداخلية أن ليس لديهم فكرة عن موضوع الدفن. 

تحدث هذه الدوامة بسبب غياب التنسيق بين الوزارات المعنية، وبسبب الافتقاد إلى نص قانوني يلحظ هذه الحالات. فكل ما هو مرتبط بالأحوال الشخصية، ومنها الوفاة، تسيطر عليه أحكام الطوائف و«قوانينها».

فمن هي الجهة التي حسمت قرار الدفن واختارت مكانه؟

جرى دفن الجثث وبقايا الجثث بحسب ما علمت «السفير» على مرحلتين. في المرحلة الأولى دفنت تلك التي كانت موجودة في «مستشفى بيروت الحكومي» (بين 20 و25) قبل يومين من تفجير السفارة الإيرانية في التاسع عشر من الشهر الماضي في مقبرة بئر حسن التابعة للطائفة الشيعية التي تقع في نزلة الرحاب، خلف مستشفى عكا سابقاً.

وتولى الإشراف على الأمر المسؤول عن مشرحة «مستشفى بيروت الحكومي» الطبيب الشرعي أحمد المقداد، بعد تخصيص نحو ستة آلاف دولار لترتيبات الدفن وبعد الحصول على إذن النيابة العامة. وبعدما كان المدير العام لـ«مستشفى بيروت الحكومي» وسيم الوزان متردداً في دفع المبلغ من موازنة المستشفى عاد وشجع الفكرة لتلافي الأضرار الصحية التي يسببها الإبقاء على الجثث في البرادات التي لا تتسع أصلاً إلا لنحو 20 جثة فقط. وقد كان من الممكن أن يسبب الأمر مشكلة في حفظ الجثث بعد تفجير السفارة الإيرانية الأخير لو لم تتم معالجته كون العديد من جثث قتلى التفجير قد نقلت إلى المستشفى المذكور.

أما المرحلة الثانية فجرى خلالها دفن الجثث وبقايا الجثث (نحو 40) التي كانت موجودة في براد مشرحة «مستشفى بعبدا الحكومي»، يوم السبت الماضي، على نفقة المستشفى أيضاً. 

تجدر الإشارة إلى أن «السفير» كانت أول من فتح موضوع هذه الجثث المجهولة من خلال تحقيق نشر بتاريخ 28/2/2012 تحت عنوان «النظام الطائفي يمنع دفن المجهولين» تناول وجود جثث وبقايا جثث منسية في براد مشرحة «مستشفى بعبدا الحكومي»، بعضها منذ أكثر من ثماني سنوات. 

وقد أوصت لجنة حقوق الإنسان النيابية إثر نشر التحقيق وزارة الداخلية بإنشاء مقبرة خاصة وإدارتها للأشخاص المجهولين الذين من المفترض أن يدفنوا بشكل لائق مع أخذ الاحتياطات القانونية اللازمة في حال ظهر من يطالب بهم. وطلبت اللجنة من وزارة العدل إجراء الدراسة القانونية التي ترعى الحالات هذه من أجل تشريع المقبرة الخاصة بها. 

لكن الأمر لن يحصل في لبنان الذي لا يقدّر حرمة الموت والكرامة الإنسانية لغرباء حضروا إلى هذه البلاد بحثاً عن لقمة العيش فدفعوا حياتهم ثمناً لها. مقبرة للمجهولين سقف عال للأحلام. والمجهولون الذين هويتهم الطائفية غير محددة لن يحصلوا على مدفن خاص بهم. فلا أصوات تتعصّب لقضيّتهم ولا بلديات تتبرع بأراض لإيواء عظامهم. أفضل ما ينالونه سيكون قطعة أرض تمنُ عليهم بها إحدى الطوائف أو فليرقدوا في البراد إلى الأبد. 

أما الجهة التي تتولى عملية دفن المجهولين، إن حصل كما حصل، ففتش عن الدولة الضائعة واسألها.


Script executed in 0.18958306312561