ففي لبنان إرهاب من نوع آخر يتكامل مع إرهاب الداخل السوري، فمن يكتب له ولعائلته النجاة من القصف الجوي والبري في سوريا، لا يضمن أن يبقى وأولاده أحياء في لبنان جراء الإهمال وترك غالبية النازحين فريسة للصقيع والمرض وقلة الحيلة، مثلما حصل مع شهد، التي حملها والداها مرتين، وهي تتألم، إلى أحد مستشفيات بر الياس. وفي المرتين عادا أدراجهما، لأنّ العلاج غال في لبنان ومكلف، وفق الوالدة نعيمة. تقول الوالدة: «كانوا يريدون مالاً وكنت أفتش عن دكتور رخيص، يعالجها من التهابات في الأمعاء».
في البقاع سجلت، أمس، حالتان مأساويتان الأولى تمثلت بوفاة الطفلة السورية شهد من جراء الصقيع، والثانية تمثلت بنقل عائلة سورية مؤلفة من الأب والأم وأربعة أطفال، إلى «مستشفى الرحمة» في تعنايل، مصابين بضيق تنفس وتسمم بسبب تنشقهم روائح سامة إثر التدفئة بالنايلون.
وشهد هي واحدة من حكايا الموت اليومي التي يعيشها الأطفال السوريون النازحون وعائلاتهم. شهد التي قدمت إلى لبنان مع عائلتها منذ نحو ثلاثة أشهر من بلدة القنيطرة هرباً من النيران السورية، استفاق أهلها ليجدوها قطعة متجمدة. وقد هرعت بها والدتها إلى مستشفى في بر الياس في محاولة يائسة لإنعاشها، ولكن شهد وصلت جثة هامدة وكان قد مرّ على وفاتها ساعات، وفق تقرير الطبيب الشرعي.
كلفة علاج شهد لم تكن تتجاوز المئة دولار لكنّ العائلة لا تملك هذا المبلغ، وفق الوالد موفق.
استعاد موفق طفلته ودفنها في منطقة العمرية في سعدنايل، وهو اليوم يستعد للعودة إلى الداخل السوري بحسب ما يقول لـ«السفير»، «لأنه أرحم من هنا».
يسكن موفق في غرفة قيد الإنشاء في سهل برالياس مع زوجته وأطفاله الأربعة، يستدين المازوت من جيرانه ومن فاعلي خير، وينتظر اتصال من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لتسجيل اسمه، والبدء بالإفادة من المساعدات الإغاثية إن كان له نصيب فيها.
في مكان لا يبعد كثيراً عن غرفة شهد، كان الموت يحوم حول عائلة محمد قنبز في غرفة تتم تدفئتها بموقدة تحرق كل شيء حتى النايلون المسموم. وهذا ما حصل مع فادي قنبز (36 سنة) وزوجته رجاء العيس (32 سنة) وأطفالهم محمد (3 سنوات)، وغزل (5 سنوات)، وآية (7 سنوات)، وإيناس (8 سنوات).
العائلة وصلت صباح أمس إلى «مستشفى الرحمة» مصابة بتسمم من نوعين، الأول غذائي على إثر تناولهم حصص من السردين، والنوع الثاني تسمم بالدخان والروائح والانبعاثات السامة من جراء التدفئة على وقود سام من خلال حرق أكياس نايلون كان بداخلها مبيدات سامة لقتل الحشرات والقوارض.
تعرضت العائلة بكاملها للاختناق على إثر تنشق الروائح السامة، واليوم تتلقى الإسعافات الأولية في المستشفى. وليست حال عائلة قنبز الأولى من نوعها، إذ سبق دخول سوريين يعانون من ضيق في التنفس من جراء التدفئة واستعمال الجلود وتنشق روائحها وسمومها القاتلة.
يقول بعض السوريين إنّ الأمم المتحدة تدفع ثمن مئة ليتر من المازوت لكل عائلة في أشهر الشتاء، وهذا لا يكفي لأكثر من أسبوع في الصقيع، لذلك يعمد البعض إلى استعمال أي شيء من أجل التدفئة، ويتوجه إلى الحقول لتجميع بقايا النفايات الورقية والكرتونية والأخشاب والجلود والنايلون. حتى أن بعض السوريين يبيع قسائم المازوت ويستبدلها بأموال لدفع إيجار منزله أو شراء حاجات استهلاكية.