فعلها النائب العام المالي القاضي علي إبراهيم. ادّعى، أمس، على شركة «ميز» التابعة لشركة طيران الشرق الأوسط بـ «جرم الإهمال والتخريب». إذاً، ما عاد يمكن القول ان فضيحة فيضان نفق طريق المطار، قبل نحو أسبوعين، حادثة «ربانية» لم يتسبب بها أحد. إنها شركة «ميز» التي يرأس مجلس إدارتها نائب تيار المستقبل غازي يوسف. كان من حق الناس الذين ذلّوا على الطرقات، ذلك اليوم، أن يعرفوا من فعل بهم ذلك. لكن مهلاً، على من جرى الإدّعاء، على الشركة بصفتها المعنوية أم على رئيس مجلس ادارتها ــــ مديرها العام النائب غازي يوسف؟
مقرّبون من القاضي إبراهيم قالوا لـ «الأخبار» ان الأخير «يريد ان يدّعي على أشخاص بعينهم، تحديداً النائب يوسف، نظرا الى مسؤوليتهم المباشرة، ولكن في ظل الحصانة النيابية التي يتمتع بها، والإجراءات المعقدة لرفع هذه الحصانة التي نعلم أنها لن ترفع، كان لا بد من فعل شيء ملموس وواقعي، لكي لا يُصاب الناس بالجرح مرة ثانية بعدم تحديد أي مسؤولية».
هكذا، يجد القضاء نفسه مكبّلا، مرة أخرى، أمام «شمّاعة» الحصانة النيابة في لبنان، والتي رفعت ذات مرّة عن نائب واحد منذ اتفاق الطائف «بعد أن رفع الغطاء السياسي عنه». كان في وسع القضاء طلب رفع الحصانة عن النائب يوسف، في قضية طوفان نفق طريق المطار، ولكن «كان الطلب سينضم إلى طلبات أخرى مماثلة نائمة في أدراج مجلس النواب، الذي لم يبت فيها أيام انعقاده، فكيف اليوم في ظل الفوضى والفراغ؟».
على كل حال، يبقى ما حصل أمس، أي الإدّعاء على الشركة المذكورة، إشارة إيجابية للناس، إذ ذهب القضاء هذه المرّة أبعد من المألوف. فالشركة المدّعى عليها ليست «عابرة». يرأسها نائب ممثل لفريق سياسي، لكن، ما جرى يدل على انه متى ترك القضاء يقوم بدوره، بعيداً من الضغوط والحسابات، فهو قادر على احداث خرق في الجدار السميك.
على كل حال، خرج الإدّعاء من النيابة العامّة المالية وأصبح في عهدة قاضي التحقيق الأول في بيروت غسان عويدات الذي يتوقع أن يستدعي النائب يوسف قريباً للحضور إلى دائرته. هل سيذهب القاضي عويدات بعيداً في طلب رفع الحصانة عن النائب يوسف؟
هذا ما يأمله كثيرون من اللبنانيين، ولكن «سيجد القاضي نفسه من جديد أمام حالة تحكمها السياسة والحسابات الدقيقة بين القوى المختلفة، فإما أن يرمى طلب رفع الحصانة في أدراج مجلس النواب أو يسير القاضي بما أمكن في إحقاق العدالة».
يُذكر أن يوسف مطعون في شرعية مقعده النيابي أصلاً، مع قبل بعض الخبراء في الدستور، فقد اثير بعد انتخابات عام 2009 سجال حول مسألة الجمع بين النيابة ووظيفة ذات طابع عام، إذ أن المادة العاشرة من قانون الانتخابات، الذي جرت على أساسه الانتخابات الأخيرة، تقول إنه لا يحق لـ «رؤساء وأعضاء مجالس الإدارة المتفرغين في المؤسسات العامة والهيئات العامة وشركات الاقتصاد المختلط والشركات ذات الرأسمال العام، ومؤسسات الحق العام ومديريها العامين، أن يترشحوا إلا إذا تقدموا باستقالاتهم وانقطعوا فعلياً عن مهماتهم قبل ستة أشهر على الأقل من تاريخ انتهاء ولاية المجلس النيابي». علما ان يوسف لم يتخل عن الوظيفة، رغم أن النص الوارد يشمله لكون شركة «ميز» (الشرق الأوسط للخدمات) هي ذات رأسمال عام او شركة «اقتصاد مختلط».
الأسعد بريء
يُذكر أن القاضي إبراهيم كان، قبل يومين، استمع في دائرته إلى النائب يوسف لمدة ساعة تقريباً، كما استمع إلى مدير شركة «الجنوب للإعمار» رياض الأسعد، بصفته متعهداً لدى شركة «ميز». المصادر القضائية أكّدت لـ «الأخبار» عدم ثبوت أي مسؤولية على شركة الأسعد، بينما ثبتت المسؤولية، بعد التحقيق والكشف الميداني، على شركة «ميز». الإدّعاء الذي حمل عنوان «جرم الإهمال والتخريب» فسّره القضاء بـ «الإهمال الذي أدّى إلى التخريب». إذاً، ثبت هنا ما كان ردده وزير الأشغال المستقيل غازي العريضي، لناحية اتهامه «ميز» بالكذب، من خلال وثيقة أظهرها تفيد الشركة فيها أنها قامت بتنظيف مجاري نفق المطار، وهو ما نفاه المتعهد رياض الأسعد لاحقاً، اذ اعلن ان الشركة لم تلزّمه اشغال تنظيف المجاري في النفق المذكور. وكان لافتاً، بحسب المصادر القضائية، أن الأخير «لعب دور إيجابياً في التحقيق، وكان متعاوناً مع القاضي إبراهيم، ما سهّل التحقيقات التي أدّت إلى الإدّعاء أخيراً».
يوسف: مشيئة الله!
اتصلت «الأخبار» بالنائب يوسف لاستطلاع رأيه بالإدّعاء فقال انه سيعقد مؤتمرا صحافيا خلال اليومين المقبلين. واضاف: «أنا متفاجئ جداً من الإدّعاء، إذ يبدو أن القضاء اختار الحلقة الأضعف في القضية، وربما كانت هناك ضغوط على القاضي». اللافت أن النائب يرفض تحمّل المسؤولية، كما يرفض تحميلها للمتعهد أيضاً، ويقول إن «كل شيء كان يحصل في نفق طريق المطار على أحسن وجه، ولكن حصل ما حصل». حسناً، أنت بريء، ولكن من برأيك المسؤول عن الفيضان؟ يجيب يوسف بهدوء تام: «إنها مشيئة الله»!
يمكنكم متابعة محمد نزال عبر تويتر | @Nazzal_Mohammad
الصفدي في العدلية
حضر وزير المال، محمد الصفدي، صباح أمس، إلى دائرة القاضي علي إبراهيم في عدلية بيروت، وذلك على خلفية «سجال الفساد» الذي دار أخيراً بينه وبين وزير الاشغال العامّة والنقل غازي العريضي. مصادر متابعة قالت لـ «الأخبار» إن الصفدي «كان متعاوناً ومرناً جداً أمام القاضي، أحضر معه رزمة من المستندات التي تدعم أقواله، تماماً كما فعل العريضي قبله». وتضيف المصادر نفسها: «حتى الآن ليس وارداً أن تكون هناك استدعاءات أخرى للعريضي والصفدي، وبالتالي يحتاج القضاء إلى فترة لدراسة الملفات الكثيرة، وعليه لا بد من إعطاء القضاء وقته الطبيعي». وصرح الصفدي بأنه أجاب على كل الأسئلة وقدم مستندات ووثائق، مشيرا الى «أن لا جلسة مقبلة له». وهو سافر لاحقاً الى السعودية.