الصويري التي لم تعرف الحقد ولا الضغينة في تاريخها، هي بلدة وادعة عند منحدرات لبنان الشرقية، جنوبي نقطة المصنع الحدودية المؤدية إلى سوريا، وقد أعطت وما زالت خيرة شبابها للمؤسسة العسكرية، وقوى الأمن الداخلي، والقوى الأمنية الأخرى. وهي قاتلت العدو الإسرائيلي، وسقط من أبنائها الشهداء في صفوف الجيش والمقاومة. وهي ناصرت المقاومة الفلسطينية، ووقفت إلى جانب المقاومة الوطنية والإسلامية.
وليس غريباً أنّ يتمسك أبناء الصويري على مختلف انتماءاتهم الطائفية، والمذهبية، والسياسية والعائلية، بالمفاهيم الأخلاقية والوطنية والمجتمعية الواحدة، لاسيّما أن المسجد يؤمه الجميع في صلات واحدة، والجبانة لا تفرق بين مذهب وآخر. وما يشدّ من أزر الترابط والوئام في البلدة هو ارتفاع معدل المصاهرة بين أبنائها، واختلاطهم ومشاركة بعضهم لبعضهم الآخر في الأفراح والأتراح.
بلدة الصويري، وفق أهلها، بعيدة كل البعد عن الطائفية والمذهبية، وليس التهور والقتل من سلوكيات أهلها الذين تربوا على التسامح والمحبة. ويؤكد عرفات جانبين «أنّهم يعملون تحت شعار الحمام الأبيض الذي يرفع راية السلام والأخوة».
يقول: «نحن لا نريد شراً بأحد وبيوت الجناة أمام أعيننا. ونحن لا نريد أن نرشقهم بالورد فكيف بغير الورد؟ ويستنكر إحراق منازل ومحلات، مناشداً «المسؤولين والمراجع المختصة الأمنية والقضائية ملاحقة الجناة المتوارين».
وكانت الصويري شيّعت، أمس، الضحيتين الشقيقين، الرقيب أول في الجيش خالد جانبين والمخلص الجمركي أحمد، اللذين سقطا على خلفية الإشكال الذي وقع بين أفراد من عائلة جانبين، وآخرين من عائلة شومان قبل يومين، وتطور إلى تبادل لإطلاق النار بين الطرفين، ما أدى الى مصرع خمسة شبان من البلدة وجرح آخرين بينهم أكثر من إصابة في حالة حرجة، واحتراق عدد من المنازل والمحلات التجارية، ونزوح بعض العائلات من عائلة شومان.
وتقدم المشيّعين مفتي البقاع الشيخ خليل الميس، الذي أمّ المصلين على الضحيتين، إلى جانب حشد من رؤساء البلديات والمخاتير والفعاليات من أبناء البقاع الغربي. وقد رفع أبناء الصويري جثماني الشقيقين على الأكف، فيما تقبل والدهما وأفراد العائلة التعازي، وسط انتشار كثيف لمغاوير الجيش، والوحدات العسكرية المؤللة داخل البلدة، وعند مداخلها وعلى التلال المشرفة عليها، في وقت ركز الجيش الحواجز العسكرية عند مختلف منافذ الصويري، وأخضعت السيارات والعابرين من الأهالي للتفتيش الدقيق، قبل أن تسمح لهم بالدخول إلى البلدة، وجابت دوريات لقوى الأمن الداخلي الطرق الرئيسية.
وأشار المفتي الميس لـ«السفير» إلى «أجواء إيجابية صدرت من أولياء الدم في عائلة جانبين الذين حصروا مطالبهم بتسليم قتلة أبنائهم إلى الجهات الأمنية والقضائية والمختصة».
و«قد أفضت مساعي الهدوء إلى حصر الحادثة في أبعادها الفردية من دون سواها»، وفق الميس، الذي تحدث عن «حادثة فردية لا علاقة لها بالطائفية والمذهبية وحتى العائلية»، لافتاً إلى «تجاوب كبير أبدته عائلة جانبين»، التي رفضت بدورها وضع الحادث خارج إطاره الفردي.
وقال الميس إنّ «الجهود منصبّة على عودة الأفراد من عائلة شومان إلى بلدتهم الصويري ولاسيما ممن لا علاقة لهم بالإشكال»، ولفت إلى أنّ «تشييع من سقط من عائلة شومان سيتم في الصويري، وسيدفنون في جبانتها، وهذا أمر لا عودة عنه».
وكان أزهر البقاع في مجدل عنجر قد تولى اتصالات التهدئة السياسية والدينية، وأقيم اجتماع ضم المفتي الميس وقضاة الشرع وأئمة المساجد وأكثر من 20 رئيس بلدية من البقاعين الأوسط والغربي، وتمّ الاتفاق على وضع حد لحادثة الصويري. وبعد الاجتماع توجّه المجتمعون إلى الصويري، حيث قدموا واجب العزاء لعائلة جانبين، قبل أن يأمّ الميس الصلاة على الشابين الشقيقين خالد واحمد جانبين.
ونفى رئيس بلدية مجدل عنجر سامي العجمي مشاركة شبان من مجدل عنجر في حادثة الصويري. واعتبر أنّ «الأقاويل المدسوسة في هذا الإطار، تهدف إلى توسيع اطار الحادث، وتعميق الفتنة بين أبناء البلدة».
ومن المتوقع أن تقوم عائلة شومان بدفن يوسف ورامح شومان في الساعات القليلة المقبلة، وعلى أبعد تقدير غداً الاربعاء. ويشيّع في الصويري اليوم المجنّد في الجيش محمد سعيد جانبين.
وكان رئيس الجمهورية ميشال سليمان تابع مع المسؤولين المعنيين الأوضاع في بلدة الصويري، مبدياً أسفه لسقوط الضحايا واللجوء الى حرق المنازل بين المتخاصمين.
وناشد النائب روبير غانم «أهالي الصويري الحفاظ على وحدة عيشهم ولمنع المتربصين بالبلدة شراً من تحقيق أهدافهم ونقل الفتنة إلى منطقة البقاع الغربي».
وشجب نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان «ما جرى في الصويري من اقتتال بين الأخوة والأهل في حادث مؤلم ومؤسف يكشف عن خطورة تفشي السلاح بين الناس».
ودعا السيد علي فضل الله إلى تكاتف جهود الجميع لتطويق ذيول حادث الصويري، محذراً من «حال الإهمال والفراغ السياسي التي يعيشها لبنان».