أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

ليست هذه صورة العيد يا عمر

السبت 28 كانون الأول , 2013 09:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,264 زائر

ليست هذه صورة العيد يا عمر

عمر طالب بكالوريا ـ قسم ثاني في «ثانوية الحريري الثانية». الرفاق الأربعة طلاب مدرسة في الصفوف الثانوية. أرادوا، كأي بشر عاديين، أن يستمتعوا بالشمس والمشي وشرب «النسكافيه» خلال العطلة. وجدوا مساحتهم في هذه الساحة المكشوفة، التي تشبه حديقة، قرب مبنى «ستاركو» في وسط بيروت. ساحة كان من المفترض أن تكون متنفساً ليومياتهم المحدودة في البلد المخنوق.

لم يكن صباحاً عادياً في بيروت. فطعم القهوة في الأكواب وفي أنفاس العابرين قصداً أو بمحض الصدفة في تلك المساحة انقلب دماً. ثوان قليلة نقلت عمر من المقعد الإسمنتي الذي كان يجلس عليه في الساحة إلى مقعد متحرّك في «مستشفى الجامعة الأميركية». والثياب الرياضية الخفيفة صارت ثوب المرضى الأبيض الذي تغطّيه المربعات الزرقاء الصغيرة. 

ماذا فعل عمر وأصدقاؤه كي يستحقوا ما حصل لهم؟ ماذا فعل أي كان كي يستحق ذلك؟

عندما وقع التفجير كان عمر وأصدقاؤه الثلاثة ربيع يوسف، محمد الشعار وأحمد مغربي يلتقطون صور لقائهم اللطيف قبل ذلك بلحظات. وقف عمر والتقط صور الأربعة مجتمعين بكاميرا هاتفه المحمول. كانوا يوثقون لحظة فرح على ما ظنوا بسذاجة الأبرياء. لكن الشر كان يقف خلفهم بالضبط. كان يترصّد لهم ولغيرهم. والشر لا يحب الفرح بالعادة ولو كان عابراً. لا يعشق إلا الشقاء والأذى. لا يشرب إلا الدم ولا يعرف طعم الحياة والقهوة.

التقط الشبان الصورة ووزعوها على رفاقهم الآخرين على ما كان سيفعل أي منا في لحظة فرح مماثلة نسرقها في هذه الأرض المجنونة. بعد ذلك قرر محمد أن يلتقط صورة منفردة لنفسه. ولأن الصورة في هاتف عمر ليست بالنقاء المطلوب، على ما افترض عمر ذلك، تخلّى عن مهمة المصوّر هذه المرة. تراجع محمد نحو الخلف. أراد أن تُلتقط صورته قرب بركة الماء. لم يعرف الشاب المسكين أنه بتراجعه نحو الخلف كان يقترب أكثر من أنياب الخطر. لم يعرف ذلك. وحده الشر كان يشاهد ذلك بعينه اللئيمة ويبتسم بخبث ابتسامته الباردة.

دار عمر على نفسه ومشى حتى صار خارج إطار هذه الصورة. خطوة. خطوتان.. ولم يكد يخطو الثالثة إلا ووقع التفجير. كان الصوت المدوّي أوّل ما وصل إلى أذنيه. شعر أن رأسه يكاد ينخلع من مكانه. كأن الرأس تقدم إلى الأمام ثم عاد إلى مكانه الأصلي. أحسّ كأن موجة مهولة اجتاحته وأفقدت قدميه توازنهما فانقلب على ظهره. كان كل شيء حارّاً. طارت النظارتان عن وجه عمر. تمالك نفسه، وقف على قدميه، ونظر ناحية أحمد، القريب منه. أراد أحمد أن يطمئنَ على رفيقيه الآخرين لكن عمر صرخ له: «أركض». هرولا باتجاه فندق «الفينيسيا». كان الشابان مصدومين ويبكيان. وصلا إلى ورشة فيها عمّال سوريون. سارع العمّال لنجدتهم بورق المحارم تخفّف شيئاً من نزيف الدم. تناول عمر هاتفاً محمولاً من أحد العمّال. حاول الاتصال بوالدته من دون طائل. كان قد فقد هاتفه لشدة هول الانفجار الذي يطرد كل تركيز ممكن. وفي وسط هذه الفوضى التقيا بربيع الذي أخبرهما أن محمد مصاب والدم يغطّيه ثم تركهما ليعود نحو رفيقه مجدداً.

وصلت سيارة الإسعاف. حمل المسعفون عمر وأحمد وجريحاً ثالثاً بإصابات بالغة إلى داخلها. كان عمر مرتبكاً جداً، حال الضحية في كل مكان. فكرّ بأصدقائه الجرحى رغم خوفه. وحضر وجه والدته أمامه. سيظل يحمل هذا الوجه معه إلى أن يصل إلى «مستشفى الجامعة الأميركية» فيتناول هاتفاً من إحدى الطبيبات ليهاتف صاحبة الوجه. وعندما يسمع صوتها فقط سيرتاح ويسلّم إصاباته للعناية الطبية ولتهاني النجاة بالسلامة.

كانت غرفة الطوارئ في «الأميركية» في حالة قصوى من الضجيج والاستنفار. لكن الموظفين والأطباء كانوا مع ذلك متماسكين بشكل واضح. الموظفة الإدارية بالملابس الرسمية كانت تسجّل أسماء الجرحى على قطعة من الكرتون الأبيض وقعت يدها عليها وتتحدّث إلى أهالي الجرحى والمصابين بكامل التهذيب واللياقة في الوقت ذاته. صحيح أن الناس غاضبة ومع أن صراخاً كان يخرج منها بين حين وآخر إلا أن الموظفة لم تفقد رباطة جأشها وظلّت تتعاطى بمسؤولية مع الحدث محاولة امتصاص شيء من كل هذا الغضب. في غرفة الطوارئ أيضاً عنصر من كل جهاز أمني يقوم بجمع المعلومات. غريب ومضحك وجود هؤلاء العناصر في غرفة طوارئ. بدلاً من أن يكونوا في مكان ما يمنعون فيه وقوع الجرائم جاؤوا إلى هنا ليحصوا الضحايا مع الآخرين.

النساء الثلاث اللواتي دخلن الآن كأنهن يمشين على الماء. تنتفض أجسادهن ولا ينقذ هذا الاعتلال في المشي إلا اتكاء الواحدة منهن على الأخرى. الأكيد أن واحدة من بينهن هي والدة الضحية طارق بدر. لكنهن، وبمشهد يحمل كثيراً من الحب، كنَّ يتصرفن كأن كل واحدة منهن أمّه. سألن طبيباً عنه بألسنة متلعثمة. قال الطبيب إنه يعرف وجوه القتلى. سألهن عن صورة قريبهن. رفعت إحداهن هاتفها المحمول وحاولت أن تضغط عليه بحثاً عن الصورة. خذلها اصبعها من شدة الارتجاف. حاولت مرة ثانية فخذلها مجدداً. بالكاد كانت تتمكن من التقاط الهاتف. كان مستحيلاً عليها الضغط على الشاشة. لكن الطبيب، ولهذا السبب ربما، حسم بأن الشاب ليس في المستشفى في تلك اللحظة. طلب منها أن تتأكد من وجوده في «مستشفى بيروت الحكومي». لعلّ الطبيب أراد أن يخفّف عنها بعضاً من هذا الخوف أو أن يؤجلّ الخبر القاسي في أحسن حال.

الصورة التي بدت فرحة ولطيفة في صباح يوم كانوني مشمس أعقبتها ثانية غارقة في الدخان الأسود والدم الأحمر. التقط عمر ورفاقه الصورة الأولى التي تشبههم. والتقط أحدهم الصورة الثانية لمحمد الممدد فوق آلامه بإخراج موفّق من اليد الشريرة. محمد ما زال يرقد في غرفة العناية الفائقة.

يبقى أن في الصورة الأولى شيئا من التمسّك بالحياة والفرح مجبولا في كل سويّ منا. مثلما هو أكيد أن الصورة الثانية التي آذت صديقك ليست صورة العيد يا عمر.


Script executed in 0.19257187843323