أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

جامع الاقتصاد بالديبلوماسية

السبت 28 كانون الأول , 2013 10:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,908 زائر

جامع الاقتصاد بالديبلوماسية

الاكتشاف الأول لمحمد شطح كان من خلال متابعته ملفات لبنان الاقتصادية والمالية من خلال مهمته كمسؤول عن المنطقة ولبنان في صندوق النقد ضمن المجموعة العربية، في بداية الثمانينيات حيث رقّي إلى عضوية مجلس إدارة الصندوق الدولي وتسلّمه مهمات تنفيذية.

المعرفة المباشرة بشطح كانت من خلال توليه نيابة حاكمية «مصرف لبنان» مع مجيء حكومة الرئيس رفيق الحريري الأولى في العام 1993، مع الطاقم المميز برئاسة رياض سلامة الذي واجه صعوبات تدنّي أسعار الليرة إلى مستويات قياسية، وكان أحد المخططين للكثير من الحلول في السياسة المالية.

أبرز مهام شطح كانت في خلال الأيام الصعبة، حيث كان ضابط الإيقاع بين حاكمية «مصرف لبنان» بصفته نائباً للحاكم وبين وزير المال في حينه فؤاد السنيورة، لا سيما بالنسبة لموضوع التوفيق حول أسعار الفوائد على سندات الخزينة، والتناقض حولها بين السنيورة وسلامة. وكان فعلاً على قدر المسؤولية من دون ضجة تذكر.

في حديث مع «السفير» عندما زار مكاتبها، وهو يشغل منصب وزير المال في حكومة الوحدة الوطنية، قال شطح، بل اعترف بأن مهمة وزير المال هو وزير أسرار وخبايا الوزارات كلها بصفقاتها ونفقاتها المجدية وغير المجدية، وهو حارب كونه من متخرجي صندوق النقد الدولي لتقليص هذه النفقات وخفض العجز إزاء الدين، وهو نجح إلى حدٍّ كبير في ظلّ حكومة الوحدة الوطنية التي تعطّلت غير مرّة، نتيجة التباين والخلافات.

من أقواله المشهودة، بل من اعترافاته، في دردشته معنا في «السفير»، أن تعدد الملفات وكثرة المخالفات تجعل وزير المال مهما كبرت كفاءته، «ينظر إلى الملفات المتراكمة من دون قدرته على فتح أيّ منها»، ملمّحاً إلى مطالب الوزارات ومنتقداً سياسة افتداء الخلافات السياسية بالمال العام.

حتى خصومه من العاملين في الوزارة والمتعاملين معها يعترفون بأنه كان رجل مؤسسات تنظيميّ بامتياز، لم يحاول استبعاد أحد أو التقليل من دور الموظّفين بمعزلٍ عن انتماءاتهم وولاءاتهم السياسية والحزبية.

إلى ذلك، كان محمد شطح، وعلى الرغم من السقف السياسي الذي يعمل تحته، والذي جاء به إلى وزارة المال، يعمل بمنطق قناعاته الخاصة بالمعالجة للملفّات الشائكة، وكان يحاول اجتراح وسائل بسيطة لتقليص العجز من خلال الشوائب في الموازنات العامة المتتالية.

كانت مشاريعه في الموازنات نابعة من الإبقاء على دور الدولة مع المؤسسات الضامنة، خصوصاً في معركة ضبط نفقات الضمان الاجتماعي، وطرح شعار تنقية المالية العامة وإجراء حسابات بين المالية والمؤسسات العامة. وفي عهده قال إن الدولة تصرف أكثر من 2200 مليار ليرة، على القضايا الاجتماعية، وهو كان رقماً كبيراً في العام 2008 ارتفع قليلاً في العام 2009.

هو أحد مهندسي ومنظّمي محاضر اجتماعات وتقارير لبنان إلى «صندوق النقد الدولي» ومؤسسات التمويل الدولية، وصولاً إلى المؤتمرات لدعم لبنان من باريس 2 إلى باريس 3، وكان الهدف تحسين صورة لبنان الائتمانية من خلال علاقاته، وقدرته على استيعاب الوضع اللبناني.

أكثر من ذلك، لقد كان من أصحاب الاقتراحات القابلة للتطبيق تلافياً لزيادة المخاطر على لبنان خلال ولايته في وزارة المال. في إحدى الجلسات الخاصة وعندما كان «مصرف لبنان» يعاني من تدنّي احتياطاته بالعملات، عمل مع رياض سلامة ووزارة المال على البحث عن مصادر تمويل لتعزيز إيرادات الموازنة، وكان شطح صاحب فكرة زيادة الرسوم على الاستيراد للتخفيف من أزمة السير في لبنان. وجرى معه نقاش حول موضوع صفيحة البنزين، وكان يعتبر أن تعديل الرسوم عليها في حينه، بواقع ألف ليرة، يؤمن مداخيل تمويل المشاريع الاستثمارية والاجتماعية في لبنان، وينهي مشكلة اعتراض المقاولين والمستشفيات الّذين يطالبون بالمستحقّات.

كان أحد أصحاب الفكرة الأساسية بالتوجه إلى الصناديق العربية والدولية لتمويل مشاريع الكهرباء والمياه بالقروض الطويلة والميسرة تخفيفاً عن كاهل الخزينة، بما يضمن الحد من الهدر وتزايد الرقابة في غياب الإدارة اللبنانية القادرة على ضبط النفقات. 

لم يخفِ شطح يوماً من خلال الجلسات الكثيرة، تأييده لتفعيل الأسواق المالية كعنصر لجذب الأموال إلى لبنان لتحويلها لاحقاً إلى استثمارات حقيقية في السياحة والصناعة والخدمات.

كان شديد التأكيد على مبدأ أن لا خلاص من موضوع نموّ الدين إلا من خلال مشاركة القطاع الخاص في المشاريع الاستثمارية تخفيفاً عن كاهل الدولة في التمويل.

في الخلاصة، لقد كان شطح رجل المهمات الاقتصادية الخارجية لتحسين صورة لبنان مستفيداً من علاقاته في الولايات المتّحدة الأميركية وصندوق النقد والعديد من المؤسسات والدول المانحة.

ولم تكن مشاركته في أوراق لبنان إلى المؤتمرات الدولية، أقل من مساهمات المسؤولين في «مصرف لبنان»، وقبله الوزير باسل فليحان الذي قضى بُعيد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

لقد خسر لبنان رجل اقتصاد من الطراز الأول، ورجل ديبلوماسية وعلاقات دولية ضمن فترة استهدافات الإرهاب للكفاءات السياسية والاقتصادية.


Script executed in 0.20467209815979