بعد كل نفضة شارع من ركام الدمار،من كل إنفجار..يأتي عامل النظافة،يمسك بعصا مكنسته،يأخذها يمنة ويسرى،وهو لا يدري اي اسرار ترك صاحب هذة الدماء..هذة الاشياء الصامتة..لرجل،لإمرأة.. لطفل،او لفتاة صغيرة..كم منا من يدرك ان في مكنسة هذا العامل تعلق الاسرار الكثيرة..وتذوب الحكايات في كل ذرة غبار تتراقص في الهواء..
وفي الجوار تحوم الارواح، يذهب المفجوعون بجثمان فقيدهم البارد،إلا من حرار الجراح ..جسده ذاهب..الى الفناء ذاهب.. الى التراب..يرحل ومعه ترحل الكثير من الاسرار التي خبأها تحت ابطه، بين عظام صدره الذي ذاقت به الحياة ..ويذهب كل شي..وتبقى اشياء..
سنة ،او سنوات ،وتقل الدموع..وتصغر دائرة الحزن..تضيق حتى يشيخ وجه العاكفون امام صورة جميلة،علقها القدر على جدار صامت..يشيخون قبل الاوان لقساوة الفراق..تخنقهم الذكرايات الملوّنة إلا من القهر المتجدد من كل يوم..تموج بهم قصص قصيرة..ولو كانت في الايام الجميلة طويلة..وغمرة الحنين، وملامسة انفاس الغائبين عند كل طرقة باب..تأتيهم في المنام..في الاحلام..
إنها الحياة التي تبقى عالقة في عيوننا والاجفان..نسمعها في انين الحزن الاسود..نتجاهلها كي نعيش بقية العمر..حتى ساعة تنتظرنا في اي مكان..في اي زمان..في شارع..في فراش العتمة الطويلة..في سفر لا بد منه ان يأتينا..يدركنا ولا ندركه..يذهب الاحبة ويبقى الحب المغمّس بالانين، يعذّب من كتبت له حياة طويلة، في رحلة طويلة..ليس لنا فيها من قرار ..تذهب الاجساد ..تحلق الارواح..وتبقى انت يا وطني مسقط رأسنا جميعاً ..تحتضن اجسادنا تحت الشمس،او تحت زخّات المطر..تحتضن ارواحنا..وهكذا تستمر الحياة..