أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

ارجع يا «شعّار».. تأخرت عن الصف

الإثنين 30 كانون الأول , 2013 09:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,094 زائر

ارجع يا «شعّار».. تأخرت عن الصف

 لا أحد يريد أن يلمس أغراضك في غيابك. رفاق صفّك لم يدخلوا بعد. الجرس يرنّ ولا يدخلون الصف. لقد تأخروا عن الحصة الصباحية. المعلمة تنتظر معهم في الخارج. ومع هذا لا أحد يريد الدخول. يقفون بانتظارك في الرواق. لماذا تؤخر الصف هكذا؟ أين ذهبت؟ هل ما زلت تلتقط تلك الصورة؟ لقد ضاعت الألوان من تلك الصورة. صارت بالأبيض والأسود فقط. صارت بالأسود وحده. ارجع إلى الصورة الأولى. مكانك فيها محفوظ بين ربيع وأحمد وعمر. ارجع إليها لتعود الألوان. 

جلسوا على الأرض قرب السرير في المستشفى. كنت نائماً وتسمعهم. أحببت أن تغويهم بصمتك. كانوا يبكون كثيراً ويدعون لك بالنجاة. كانوا يتذكرون ابتسامتك. كانوا يبكون كلما تذكروا هذه الابتسامة. اعتادوا أن يروك ترقص وتمثّل وتلعب كرة السلة. فلا تفعل بهم هذا. لا يستحقون منك ذلك. ليس الآن وقت النوم الطويل. جاؤوا كلّهم لأنهم أرادوك مثلنا أن تنتصر على القاتل، فلا تذهب إلى النوم. لا تقدّم للقاتل متعة الانتصار علينا وعلى ما بقي لنا من أمل. القاتل يخاف ابتسامتك. يخاف من عيون رفاقك البرّاقة وقلوبهم الصادقة. يخاف المدرسة وصوت الجرس وضجيج التلاميذ. يخاف الكتب والأقلام والدفاتر والكرّاسات. يخاف الحياة والألوان. يخاف القاتل الحياة والذين يقترفون حبّها يا فتى. فلا تقدّم له هذه الهديّة.

لم يمش الأساتذة والتلاميذ في جنازتك أمس. لم يطلقوا المفرقعات. لم ينثروا عليك الورد. لم ينزلوك في حفرة. لم يشاهدوك في كفن. لم يهيلوا التراب عليك. لم تكن السماء رمادية. لم يحصل كل هذا. بل كان حلماً بشعاً. حلم تشارك فيه مدينة. مدينة في بلد يهيم كالسائر نحو جنونه المحتّم. لكنّك ورفاقك الذين حلمنا أنهم حملوك في نعش لستم في سنّ الهذيان. 

الفتيان لا يموتون باكراً يا محمد. لا يُقتلون غدراً. لا تُسرق الحياة من عيونهم في لحظة الفرح. لا يختلط دمهم وقهوتهم على الأرض. يختلُ الميزان إذا حصل هذا الأمر. لذلك لن نعترف بهذا الحلم. نحن لم نرَ شيئاً من هذا الكابوس. لم يحصل.

والداك يفتقدانك منذ الآن. ليس لائقاً أن تتركهما باكراً. ما زال هناك كثير من الأشياء التي يجب أن تفعلها في الحياة. أمّك تفكّر بقياس ثوب التخرّج من المدرسة. تحلم به. تتخيّل اللحظة التي تقذف فيها قبعة التخرج في الهواء وتلتقط لك ولرفاقك الصورة التاريخية. لقد انتظرت أمك هذه الصورة طويلاً. ستكون أول من يحمل شهادة في عائلتها الصغيرة فلا تحرمها هذه اللحظة. لا تخذلها. آدم وجود ينتظرانها أيضاً ليفخرا بك. والدك سبق الجميع. يفكّر بربطة العنق التي سيسوّيها لك في يوم العرس. لقد اختار لونها بالفعل. يريد أن يعقدها بيديه وأن يضبط لك الياقة ويربّت على كتفيك. لا تخذله. لا تخذلهم يا فتى.

ارجع يا «شعّار». أليس هكذا يناديك رفاقك الذين يحبونك؟ لا تجعلهم ينتظرون كل هذا الوقت. مللنا كتابة الوصايا اليومية كلما طلع الصباح علينا في هذه المدينة. نريد أن نسمع صوت جرس المدرسة لا زعيق التفجيرات. نريد أن نكمل الطريق بك وبهم نحو الحياة لا الموت. نريدكم تلاميذ لا شهداء. ارجع يا شعّار. ارجع.

تصل على الوقت في العادة. الجرس ما زال يرنّ والرفاق ينتظرون في الرواق. لن يدخلوا الصف من دونك. لا تتأخر في النوم. لا تدع الرفاق ينتظرون. ارجع إلى المدرسة. لقد انتهت العطلة باكراً وحان وقت الدرس.

السفير 

Script executed in 0.17167615890503