أحمد محسن
كل شيء يشي بكآبة قابلة للاتساع. كانت هناك أعلام لبنانيّة، لوّح بها أصحابها ببطء، تحت تمثال الشهداء، القابع قرب مبنى «فيرجين ميغا ستورز»، كدليل حاسم على هويّة المشاركين الوطنيّة، ما أضفى على المشهد حنيناً مبطناً، من شأنه أن يضاعف نوبات الحزن، جاعلاً من الأخير حدثاً شديد الوضوح. «سعد سعد سعد». هتف الجميع، بأصوات لا تخلو من الغصة، ولم تتوقف سيدة، من بين الحاضرين، عن ارسال غضبها بطريقة هستيرية، صارخةً ضدّ الجميع، من هناك، على باب المسجد، الملاصق تقريباً لضريح الرئيس الراحل رفيق الحريري، حيث دُفن الوزير محمد شطح، أمس، في جنازة مهيبة. «سعد سعد سعد»، هتف الحاضرون، أكثر من مرة، بصوتٍ تقريباً قوي، وكافٍ للوصول إلى أذني الشيخ سعد الدين الحريري، الذي يتابع الحدث الأليم، عبر «تويتر»، على الأرجح، من مكان بعيد في الحجاز.
الطريق إلى الساحة مغلقة بملالات الجيش، وبعشرات المخبرين، المنتشرين كما لو أن نهاية العالم ستحدث بعد قليل. شارع مونو، المؤدي إلى الساحة، أغلق تماماً، من أول المفترقات المؤدية إليه لجهة شارع بشارة الخوري، فبدا مقفراً. أما في الساحة، حيث الحشد، فاصطف العشرات من رجال الأمن، المدنيين هذه المرة، مرتدين بزات سوداء متشابهة، في ظاهرها، لكنها تحمل توصيفات محددة. «الجيش، مديرية المخابرات». «شعبة المعلومات». «الأمن العام، المعلومات». «قوى الأمن الداخلي، استقصاء بيروت». ساحة داخل الساحة، وفّرت لمجموعة من العبثيين أن يمارسوا دوراً أمنياً بدورهم، من دون أن يعرف أحد إلى أي فرع أمني ينتمون بالضبط. نتحدث هنا عن رجال ملتحين، يلبسون معاطف زيتية ضخمة، مع أحذية عسكريّة أميركيّة الصنع، مع قبعات سوداء على رؤوسهم، كي لا يتركوا أي مجال للخطأ في تمييز بعضهم. فهؤلاء، لا أحد يعرف لحساب أي جهة يعملون، وفي هذا حالهم من حال الطفل، الذي وقف في منتصف الساحة، ملوحاً بعلم لبناني لدقائق طويلة من دون أي يعرف معنى هذا كله.
مرّت دقائق على اكتمال الحشد، وبدأت المراسم بتلاوة آيات قرآنية، خرجت من مكبرات الصوت في مسجد محمد الأمين. «الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحُها إلا زانٍ أو مُشرك وحُرم ذلك على المؤمنين. والذين يرمون المحصنات ثم لم يَأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدةً ولا تقبلوا لهم شهادةً أبداً وأولئك هم الفاسقون». وفيما أنصت المتجمهرون في الساحة الشهيرة إلى هذه التلاوة المباركة، بإصغاء شديد، كانت الشاشة العملاقة تنقل صوراً مؤثرة من داخل المسجد، فبدت منفصلة عنه، وتمثلت بالحزن الواضح على وجوه أقارب الضحايا، وهم يمضون اللحظات الأخيرة قرب الراحلين. لقد بدا حزنهم مستقلاً تماماً عن جميع الخطابات التي تلت الدفن. خطاب مفتي الشمال، مالك الشعار، لم يكن وعظياً، ولا دينياً، كما توقع الجميع، إذ إنه يخرج من مسجد، كما نعلم، وأمام نعش، بل كان سياسياً وحاداً، متهماً «الفريق الآخر بالتدمير والقتل». لكن هذا ليس مستغرباً إلى حد كبير، فالرجل، في الأساس، طرف في النزاع الدائر بين اللبنانيين، وليس مفتياً للعموم، فهو حضر إلى وسط بيروت للمرة الثانية، بعد حضوره للصلاة على جثمان العميد الراحل وسام الحسن (وبين الفترتين فترة نقاهة في باريس) بدلاً من المفتي محمد رشيد قباني، وذلك بناءً على «رغبة آل الحريري» بعدم حضور الثاني. وكما كان متوقعاً أيضاً، لم تحضر أي اشارة، كما درجت العادة أخيراً، إلى الضحايا «العاديين» الذين تحصدهم الانفجارات، «العادية» أخيراً. وهكذا، سقط اسم محمد الشعار والآخرين، «سهواً» على الأرجح، من برنامج الدفن. وإن كان أقارب الراحل شطح وأقارب مرافقه غارقين في حزنٍ أليم ومفهوم، فإن للآخرين أحزانهم، التي قضمها المشهد والهتافات الحادة. وإذ نتحدث عن «اعتدال»، بالمعنى الحقيقي للكلمة، تحضر صورة محمد الشعار، أكثر من أي أحد آخر، الشاب الذي قضى في الانفجار، نيابةً عن الجميع، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن الوزير شطح لم يكن معتدلاً هو الآخر.
وفي ختام اليوم الطويل، ألقى رئيس كتلة المستقبل فؤاد السنيورة، قرب مبانٍ صُمّمت بلا روح، في وسط المدينة السليب الذي يملك نفسه جزءاً منها، خطاباً مشتعلاً، ألهب فيه حماسة الجماهير. خطاب على طريقة «الفوهرر»، لكن من دون كاريزما ولا يد ممدودة، ألهبهم، لدرجة أنهم استحضروا ملائكة الغائب ــ الحاضر، والذي يبدو أنه صار رمزاً يصعب انتزاعه من ثنايا «ساحة الحريّة»، فهتفوا بصوتٍ واحد: «شيخ الأسير، الله يحميك». وبما أن الرئيس السابق للحكومة يريد نزع «السلاح غير الشرعي»، فيجب وضع «تعريف» محدد لهذا السلاح، على الأقل، لهؤلاء الذين جاؤوا إلى التشييع، في البرد، خاصةً وأنهم يشكلون مزيجاً فريداً بين مناصرين يتحدرون من خلفية «فرنكوفونيّة»، كطلاب «حزب الوطنيين الأحرار»، الذين رفعوا أعلامهم اللطيفة للغاية، وأنشدوا أغنيات «ثورة الأرز»، كما في الأيام الخوالي، وآخرين، أخذتهم «عفويتهم» إلى رفع رايات «لا إله إلا الله»، السوداء والمقدّسة، على شجرة الميلاد المنصوبة قرب المسجد العملاق، قبل أن يلتقطوا الصور التذكارية معها. وغالب الظن، انه السلاح الذي يستخدم «للزعرنة» و«قنص» العمال العائدين إلى بيوتهم، ولـ«التشبيح» على الطرقات. ومنذ 2008، معظم الأسلحة، المتوسطة والثقيلة، التي ظهرت في طرابلس وغيرها، ووجهت إلى الجيش، و«الإخوة» المواطنين، وإلى الآمنين، أحياناً على الأرصفة، وأحياناً في منازلهم، صودف بطريقة ما، أنها تعود إلى الفريق عينه، الذي ينتمي إليه الرئيس السابق، فؤاد السنيورة، ويعمل بإشراف مباشر من هذا الفريق. ويا لها من مفارقة.