أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الحياة التي تناثرت في الشارع العريض

السبت 04 كانون الثاني , 2014 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,000 زائر

الحياة التي تناثرت في الشارع العريض

ستراه جميلاً بما يكفي، فقط لأنهم هم يرونه كذلك. لكنك، عندما ترى صوره المعلّقة على عجل ـــ قبل وصول جثمانه من مستشفى الرسول الأعظم ـــ عند مفارق الشارع المؤدي إلى بيته، ستتأسف على العينين اللتين انطفأتا. لا شيء يمكن أن تقوله عن الوجه الملائكي إلا أنه «كان جميلاً وكان يحب كرة القدم ويطمح لأن يصبح مهندساً»، يقول صديقه محمد حمود. ولكن، «كان» لم تعد تفي بالغرض. فعلي الذي كان كل هذا، سيأتي اليوم محمولاً في كيس أبيض بلا ملامح. كيس محكم الإقفال، سيبقى فيه الشاب إلى الأبد. لا أحد سيرى وجهه الذي التهمت النيران منه ما يكفي، ولا حتى أمه التي كانت ربما تمنّي النفس برؤيته ولو أن رائحته صارت من رائحة النار التي التهمت جسده. أمس، في المنزل الذي اختنق بصور علي «الأخ» و«المجاهد» و«المظلوم»، تسمّرت الوالدة المختبئة في ثوب الحداد عند باب غرفة.

 

أغلب الظن أنها غرفة صغيرها. لم تكن تلك السيدة تقوى على الكلام. جلّ ما تقوله أن «علي راح». ويبقى السؤال: كيف راح علي؟

في اليوم المشؤوم، عاد الصغير من مدرسته. على غير عادته، لم يستسلم لنومة «العصريات»، تقول خالته. استعار مفاتيح الدراجة النارية من شقيقه وذهب إلى أمه قائلاً لها «ماما، ما بقى رح نام العصر لأنه عم بقلق بالليل (...) أنا نازل على الصيدلية وما بطوّل». خرج علي، وبعد دقائق قليلة، رعدت السماء هناك. عرفوا أنه انفجار. بدأ الصراخ على علي قبل أن يعرفوا مصيره. تفرقت العائلة: الوالد وابنه خرجا للبحث عنه، فيما بقيت الوالدة والشقيقتان في البيت. عند السادسة مساء، جاء الخبر بأن الدراجة النارية موجودة في مكان الانفجار، فيما علي مفقود. بدأ البحث في المستشفيات، من بهمن إلى الساحل إلى الرسول الأعظم. لا أثر لعلي. بقيت العائلة تعيش على أمل إيجاده حتى الثانية عشرة ليلاً، عندما أعلنوا عن وجود جثة شبه متفحمة في مستشفى الرسول الأعظم. عندها هرع الوالد إلى هناك، وفي باله أمنية بأن يبقى علي مفقوداً. لكن ذلك لم يحصل، إذ تعرف الوالد على ابنه، إلا أن إدارة المستشفى لم تسلمه الجثمان بانتظار إجراء فحوص الحمض النووي للاطمئنان إلى هويته.

عاد حسين خضرا إلى زوجته وأخبرها. لم تحتمل ثقل الخبر، فانفجرت باكية. وبعد ساعات من النحيب، أعطوها «حبوباً مسكنة، وإلا ما كنتوا شفتوها ساكتة»، تقول شقيقتها. هكذا، مرّ الليل على عائلة الشهيد الأصغر في انفجار الشارع العريض. كان ليلاً موجعاً. تماماً كما كان بالنسبة إلى البقية الذين نجوا من الموت ولم ينجوا من الصدمة. جمانة قعيق، أم الشباب الثلاثة، قضت ليلها عند النافذة العارية من زجاجها. تبكي على أطفالها، وهي تسأل: ماذا لو راح قاسم؟ وأحمد؟ وهي أسئلة لا تزال عالقة في رأسها، حتى بعد انقضاء حادثة الموت. تتذكر اللحظات الأولى للتفجير «كنت انتهيت لتوي من نشر الغسيل على الشرفة، وهناك كان قاسم يتهيأ للنوم على الكنبة، طلب مني غطاء فجلبت اثنين ودثرت جسده ورأسه، كأني كنت خائفة من شيء». لم تكد الوالدة تصل إلى المطبخ، حتى دوى الصوت عالياً، فخرجت «صارخة بلا وعي». هرعت إلى حمزة، فرأته «كالراسور». علا نحو السماء ثم هبط. هذا المشهد الذي سيعلق إلى الأبد في رأسها، سيبقى هناك. وكلما دوى صوت، ستتخيل «الراسور». الكل هناك يحمل مشهداً في رأسه. هؤلاء الذين رأوا الموت أمامهم لن ينسوا. وهم بالكاد نسوا «الصاروخ الذي سقط في المكان نفسه في حرب تموز»، تقول مهى فياض. السيدة التي «قويت» الرجفة في يديها منذ ليل أول من أمس، بكت كثيراً أمس عندما سألناها عن أولادها. كانوا إلى جانبها ولكنها تخيّلت موتهم، وخصوصاً حمزة الذي كان واقفاً عند الشرفة «عم يلقّط واتس آب». لم يصب أولاد السيدة بأذى، ولكنها لن تتخلص من خوفها بسهولة، تماماً كما ناس ذلك الشارع الذي انفجر في لحظة حياة. كان كل شيء يسير على ما يرام. متسوقون وعمال عائدون إلى بيوتهم، وآخرون «يترزّقون» أمام محالهم. في لحظة واحدة، سينفجر كل شيء. سيرى الناس أشلاءهم على الأرض وعلى أسطح المباني. تطايرت كما حصل في الرويس. كما ستسمع أشياء لا تألفها في أيام عادية. كأن يجيب أحدهم عابراً بتهكم «لوين رايح، خليك موت معنا».

أمس، في الشارع الذي سقط فيه أربعة شهداء والذي بقي مقفلاً إلا على ناسه والعناصر الأمنيين الكثر، لم يكن الأهالي قد نظفوا بيوتهم. تركوا الزجاج متناثراً كما خلّفه الانفجار، بعدما جاء «شباب وقالوا لنا اتركوا كل شيء في مكانه حتى يتم الكشف عليه». كل شيء بقي مكانه. كأن الانفجار لا يزال مستمراً. تماماً كما هي حال المباني الستة الأشد التصاقاً بالانفجار. واجهاتها التي تعرّت من زجاجها صارت مباحة لعيون كثيرة أتت من الصباح الباكر متفرجة، والسيارات المركونة أمامها والتي تعرت أيضاً من زجاجها، وهي بحدود 30 سيارة، كانت متشابهة في الأرقام التي وضعتها مؤسسة جهاد البناء، التي سبقت الهيئة العليا للإغاثة في الكشف. هذه الأخيرة التي أتى مديرها العام بالوكالة محمد خير متفقداً، بانتظار أن تنتهي الشرطة القضائية وعناصر الأدلة الجنائية من عملها في التحقيقات التي استمرت حتى ما بعد ظهر أمس. وقد أعلن خير أن الهيئة ستبدأ مسح الأضرار اليوم، من أجل التعويض على الأهالي في أسرع وقت. إلى ذلك الحين، سيبقى الأهالي مشتتين بين الأقارب وبين المنازل المشرعة على الخوف والبرد أيضاً. لكن، ثمة ما يمكن أن يلفت النظر، تلك الحركة التي لا تهدأ، فالانفجار لم يلغ «الإجر» هناك، حيث عادت الحياة رويداً رويداً بعد ساعات قليلة على وقوع الانفجار. ناس على حواف الشارع المنفجر يكملون حياتهم بطبيعية، حتى بعض سكانه كانوا يمارسون حياتهم بشكلٍ عادي، كتلك السيدة التي جلست على شرفتها المفروشة بالزجاج «تلف ورق عنب بالزيت».


Script executed in 0.19624304771423