أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

عدنان يترك عكازه

السبت 04 كانون الثاني , 2014 10:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 6,999 زائر

عدنان يترك عكازه

يعمل عدنان عوالي الخمسيني من بلدة تولين الجنوبية موظفاً في مكتب سفريات في مبنى «مركز التآخي الطبي». يغادر عمله يومياً عند الرابعة من بعد الظهر، ليصل عند الرابعة والربع إلى المنزل. وهي مسافة تحتاج عادة إلى خمس دقائق مشياً. لكنّ سيره ببطء على عكاز قرّب موعده مع الموت.

جالت سوسن في المستشفيات بحثاً عن زوجها، ولم تلقَ إلا جواباً واحداً: «زوجك ليس ضمن لائحة الأسماء». كانت تسمع تلك الجملة وتقول لنفسها: «لأنها لائحة جرحى لا شهداء». إلى أن اتصل بها ممرض في «مستشفى بهمن»، ليبلغها أن زوجها جريح. ركضت إلى هناك، ولم تجد في الغرفة إلا ممرضاً يحمل كيساً فيه أغراض عدنان.

تُعاود ابنته البكر البكاء كلّما سمعت أمها تروي لحظة استلامها أغراضه. كانت سهى الأقرب إليه في العائلة. «انت حنونة عليي يا سهى، أنت حاملة أسراري»، كان يردّد لها دائماً. وينبهها أن لا تشارك أسراره مع أحد. تبتسم حين تتذكر عبارته «ما تقولي لحدا»، وتغرق مجدداً بحزنها. تعجز عن استيعاب الأمر. فهي اتصلت بوالدتها ليلة التفجير للاطمئنان على «الكل»، ولم تتوقع أن يكون «الكل منيح ما عدا أبي».

تستعيد الشابة العشرينية لحظاتها الأخيرة مع والدها منذ يومين. كان عدنان يحتفل بعيد ميلاد ابنة خالة سهى. «وكان كتير مبسوط»، تلفظها بصوت مرتجف. كانت رجله تؤلمه في ذاك اليوم، لكنه ألّح على الخروج. «كأنّه كان عم يودّع»، تتمتمّ زوجته سوسن. 

كان يعجز عن حمل طفلي سهى، لكنه كان يحتضنهما على ركبتيه مغنياً لهما أغاني تُضحكهما. تغرق في تفاصيل ذلك اليوم، وهي تلوم نفسها أنها لم تحادثه وتعانقه كالعادة. «لم أودعه كما يليق به».

الجميع في منزله في المشرفية حزينون ويروون حكايات تعكس خصال الرجل: «لم تكن الابتسامة تفارق وجهه، قلبه طيّب، هادئ ومهذب، لا يُسمع صوته»، «حبيبي وحياتي، هكذا كان يُحادث أولاده الأربعة».

تبحث سوسن عما يفسر فقدان زوجها. تتحدث تارةً عن آلام قدمه اليُسرى، وتارةً أخرى عن عودته من ألمانيا بعدما سئم الغربة. لكن تفسير أسباب الموت يعدُ عبثاً في بلد غدت الحياة فيه مسألة صدفة.


Script executed in 0.2039840221405