أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

التتار يحرقون مكتبة السائح في طرابلس-إبراهيم سرّوج... هذه مدينتنا وهؤلاء أهلنا؟

السبت 04 كانون الثاني , 2014 11:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,686 زائر

التتار يحرقون مكتبة السائح في طرابلس-إبراهيم سرّوج... هذه مدينتنا وهؤلاء أهلنا؟

تتوزع في القاعة الكبيرة جدران يتجاوز ارتفاعها أربعة أمتار، تشبه في هندستها لعبة المتاهة. وقبل أن تستعيد أنفاسك دفئها من برد المدينة في الخارج، سيفاجئك صوت ودود من الخلف يسألك كيف يخدمك. وها هو أمامك: رجل ملتح، يعصب رأسه بلفة سوداء، ثيابه القديمة شبه مهترئة ويحمل في يده نظارة سميكة.

يقول رداً على طلب مجموعة الروائي الفلسطيني غسان كنفاني إن عدد المهتمين بكتب الأخير تراجع كثيراً، ويبدأ حديثاً لا يكاد ينتهي عن فلسطين والعروبة والثورات التقدمية في العالم، يكون في غالبيته كمن يحاور نفسه. يريد أسراباً جديدة من الفدائيين يحررون كل فلسطين. يشوّقه سماع المزيد عن «أولئك الأبطال» الذين ألحقوا الهزيمة تلو الأخرى بإسرائيل في الجنوب اللبناني. تطول في حديثه قائمة الديموقراطيين السوريين والمصريين والتونسيين؛ يتتبع بشغف أخبار هؤلاء ومقالاتهم هنا وهناك، يؤرشفها ليشهرها بوجه المشككين في قدرة الشعوب العربية على حكم نفسها بنفسها. قبل أن يعرج على فساد الإكليروس، وأخيراً تناقص عدد المهتمين بالكتب في طرابلس وبيروت مقارنة (قبل ثلاث سنوات) بحمص وحلب ودمشق. لا تضيع وقتاً حين لا تجد الكتاب الذي تبحث عنه، ستجده في مكتبته. تتكدّس في ذلك الخزان الورقي الغالبية العظمى مما أصدرته دور النشر العربية منذ سبعين عاماً، ونسخ من أهم المنشورات العربية التي تمكن صاحب المكتبة من الوصول إليها، مهما بلغ سعرها. ثروة خيالية تختبئ خلف باب خشبي عملاق بات بحد ذاته نادراً في المدينة القديمة. تظن هذا العروبيّ الذي يتنقل من سلم إلى آخر في مملكته الدافئة شيخاً طرابلسيّاً أو إمام أحد جوامع المدينة أو واحداً من ناصرييها المتقاعدين. يصعب أن تتخيل أن هذا المنغمس بعادات طرابلس وأفراحها وأحزانها وكل انقساماتها إنما هو رجل دين مسيحي. ها هو يبتسم وقد ضبطته متلبساً بالثوب الديني في مناسبة اجتماعية بهويته الحقيقية: «أنا أبونا إبراهيم سروج، خادم كنيسة طرابلس الأرثوذكسية».

 

تعيد بعد اكتشاف هويته الدينية قراءة كل ما علق في ذاكرتك من مواقفه السياسية، مدمراً في نهاية كل سطر واحدة من أفكارك المسبقة. في الصراع الطبقيّ هو مع العمال؛ سقط حكم مسبق. في الصراع الكنسيّ هو مع الرعية؛ سقط حكم مسبق. في الصراع السياسيّ هو مع فلسطين حرة أولاً وأخيراً وضد كل أمراء الحرب والإقطاعيين دون استثناء، سقطت مجموعة أحكام مسبقة. وها هو ينتعل حذاء يعقفه من الخلف ليريحه أكثر ويرافقك في جولة بالمدينة ليريك كيف يمكن المسيحي أن يتفاعل بود مع المدينة الإسلامية المحافظة وكيف تتفاعل هي بود معه.

 

تغيرت طرابلس كثيراً. تتغير المدينة يومياً. تمزق يومياً صور أبطال ملصقة على جدرانها، لتلصق فوقهم صور أبطال آخرين. تسمع في مقاهيها نظريات لا تهضم، لا تصدق الخطب التي ترددها مآذنها، ترى نشطاء يستسلمون وأقرباء لم يغادروا المدينة في أحلك أيامها يعودون إلى قراهم. يزداد الفقر في بعض الشوارع فقراً. تزداد العصبية التي تستحيل محاورتها أو أقله ممازحتها. تهرب من هذا كله، مرة تلو الأخرى، إلى المكتبة. يكاد يكون سروج الثابت الوحيد: «هذا كله سيتحول نهراً هادراً يجرف إسرائيل. دعك من العصبيات. أنا أعرف طرابلس، هذه مدينتنا وهؤلاء أهلنا يا شاب». يتغير المطارنة في طرابلس وشاغل الكرسي البطريركي في مقر البطريركية الصيفي في البلمند ولا يتغير إبراهيم سروج: «أنا ضد الإكليروس. لا بدّ من إعادة الديموقراطية إلى الكنيسة الأرثوذكسية لينتخب الشعب أساقفته والمطارنة والبطريرك». يهديك، حين يثق بك، الكتاب الأكثر تحريضاً على سلطة رجال الدين الذي يمكن أن تقرأه يوماً. بعد قطع رأس تمثال أبو العلاء المعري وإحراق المزارات الدينية وخطف راهبات معلولا وتصيد أقدام العلويين في مدينتهم لمجرد أنهم علويون، تسأله مجدداً عن الأوضاع، فيتهرب من الجواب باحثاً في صدأ البراد عن حبات من الفاكهة ليضيّفك إحداها. لن يعترف هو المسيحيّ الماركسيّ الفتحاويّ الثائر في كنيسته المتصالح مع مجتمعه المقاوم بأن مشروعه هزم. ليس في طرابلس، رجل دين حقيقي، وخصوصاً من الطائفة السنية لم يطرق باب تلك المكتبة ليطلب كتاباً. وليس في المدينة شاب واحد لا يعرف حقيقة الموقف السياسي لإبراهيم سروج: ضد النظام، أي نظام، أياً كان رئيسه.

 

أمس أهين إبراهيم سروج ومكتبته. أهانه زعران لم يجدوا بين جيران صاحب مكتبة السائح من يردعهم، وأهانته القوى الأمنية التي استدعته ـــ بدل استدعاء الزعران ـــ للتحقيق معه، وأهانته المدينة التي لم يهرع أهلها لإحاطة مكتبتهم بأجسادهم وحمايتها من التتار. لا يمكن محاورة من أهانوه، هم لم يقصدوا مكتبته، التي أطلقوا النار على معاونه في إدارتها بعد تأكدهم من عدم وجوده فيها، للاعتراض على موقفه السياسي مثلاً أو الاحتجاج على بيعه كتاباً رأوا أنه يمس عقيدتهم. هذا كله كذب.

كان صوته عصر أمس غير صوته دائماً. حاول تغطية انكساره بضحكته المعتادة وترحيبه الودود بأصدقائه. قال إنه يخاف على مكتبته أكثر بكثير مما يخاف على نفسه. يتذكر أن القوى الأمنية نهته عن التصريح، فيبتلع كلماته. سأقفل المكتبة بضعة أيام وأبتعد صوب أحد الأديرة. ولا يُظهر لأول مرة تلك الرغبة بالكلام.

حين تزور طرابلس لن يوصلك التدافع هذه المرة إلى تلك المساحة اللاهوتية – الماركسية المبدئية الدافئة. لن تجد كاهناً يحتفظ بملعقتي حلاوة في علبة صغيرة، يطعمك ملعقة ويأكل الملعقة الأخرى، ويدس كتاباً مميزاً في حقيبتك ويوصلك إلى مطلع السوق مردداً: «المدينة بخير، سيصب نهر الغضب في فلسطين، دعك من العصبيات، أنا أعرف طرابلس، هذه مدينتنا، وهؤلاء أهلنا».


Script executed in 0.19544696807861