لا يمكن رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع خذل الجمهور المؤيد لرفضه توافق 8 و14 آذار على تأليف الحكومة. لم يبق أحد غيره يعول عليه للحؤول دون لمّ شمل الفريقين في البِذل الرسمية البيضاء: حتى اللواء أشرف ريفي لطف في مقابلة إذاعية صباح أمس موقفه، قائلاً إنه ضد نقل الصراع من الأرض الى مجلس الوزراء (!). عليه يتكل قادة المحاور في طرابلس للحفاظ على مصدر رزقهم: قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق. عليه يتكل أصحاب الفنادق والمؤسسات الخدماتية التي لم تقفل بعد وتتطلع إلى ذلك، وتجار السلاح، ورئيس حركة الاستقلال ميشال معوض، الذي يمكنه العيش مع أصولية واحدة لا اثنتين، والمستشفيات، والمحرضون، وصناع العبوات، ورئيس جهاز الإعلام والتواصل في القوات ملحم رياشي، الذي لا يتخيل المسيحيين في هذه المنطقة «إلا رأس حربة أو رمحاً». لا بدّ من بقاء جعجع خارج حفلة التكاذب المقبلة، هذا ما عوّد جمهوره عليه قبل عام 2005. هكذا كان وسيبقى، تقول شعارات القوات: «وفياً للمبادئ». من أجل «المقاومة المدنية السلمية لتحرير لبنان من السلاح»، وإكراماً لذكرى الوزير السابق محمد شطح، ولذلك الناشط الفايسبوكي في قوى 14 آذار الذي وجه إلى شجاعة جعجع وكرامته وعنفوانه التحية أول من أمس، مردداً: «تباً لـ 14 آذار إذا قبلت الجلوس مع المتهمين بقتلها».
يقول أحد المطلعين إن النقاش السطحي الحاصل اليوم بشأن توزيع الوزراء وحقائبهم يخفي تفاهمات أهم وأكبر. فليس الهدف من الحكومة المقبلة تمرير الوقت ريثما تتضح معالم الأزمة السورية، كما يوحي البعض، إنما إجراء انتخابات رئاسية أو شغل صلاحيات الرئاسة الأولى ريثما ينتخب رئيس، وملاقاة الجهد الإقليمي والدولي لمحاصرة الإرهاب وعزله وتحقيق الدور التنفيذي لطاولة الحوار بشأن القضايا الصدامية الرئيسية. عبّر جعجع عن إعجابه سابقاً بالإعلامية راغدة درغام ومتابعته لها. لعله انتبه إلى قولها أمس إن معركة إيران في سوريا والعراق ولبنان تحظى بدعم روسي وصيني و«بمباركة أميركية»، وتوقف عند كتابتها في «الحياة» أن «الولايات المتحدة ودولاً أوروبية باتت تنظر إلى حزب الله والنظام في دمشق وراعيهما الإيراني على أنهم حلفاء الأمر الواقع في مكافحة الإرهاب السني». يمكنه أن يستنتج إذاً أن التفاهم الحكوميّ لن يكون مجرد نزوة «مستقبلية» أو «دعسة ناقصة» حريرية، بل جزءاً من خريطة طريق دولية لتطبيق الحل السياسي في سوريا وتطويق تفشي الصراع في الدول المجاورة. وهو ما يبدو من العراق ثم لبنان أن السعودية تسير فيه. وبناءً عليه، لن يكون رفض جعجع التفاهم مجرد ترفع سلطويّ، بل تصدياً مبدئياً آخر لـ«الإرادة الدولية». ها هو «الحكيم» على وشك دخول التاريخ مرة ثانية، ومن الباب نفسه.
تيار المستقبل لم يظهر من جهته حتى الأمس مبالاة جدية بموقف القوات. كل ما قاله اللواء أشرف ريفي (في مقابلة سعت إليها القوات عبر أثير إذاعتها للتحريض على الجهود التوافقية) إن «على تيار المستقبل عدم رمي موقف القوات وراء ظهره وعدم المشاركة في حكومة لا تشارك فيها القوات». كان الوزير محمد شطح أبرز من يبادر إلى تقريب وجهات النظر بين المستقبل والقوات، وأقدر من يقنع جعجع بتليين موقفه. اغتيل شطح ولا يمكن جعجع التنكر بهذه السرعة لصديقه. أما السعودية، فيقول أحد النواب السابقين إنها قد لا ترغب في الوقوف على خاطر جعجع الآن أو إقناعه بالحل، لسببين: الأول، حفاظها على ورقة ضغط في حال اضطرارها إلى التصعيد مجدداً. والثاني تحررها الشكليّ من علاقتها الوطيدة به لتطوير تفاهماتها الأولية مع رئيس تكتل التغيير والإصلاح النائب ميشال عون. في ظل إجماع من يلتقون السفير الأميركي دافيد هيل على تفضيله انفتاح عون على التفاهمات التي تقتضيها المرحلة (بعدما كان متشدداً تجاهها) على تحجر جعجع ونفَسه التصادميّ. يمكن جعجع أن يكون هو بطل معارضة التفاهم الرباعي الجديد بين العونيين والثنائية الشيعية والحزب التقدمي وتيار المستقبل. يمكن أن يبقى خارج الحكومة التي ستكشف عن حجمه التمثيليّ الصغير وزارياً مقارنة بحجم العونيين مثلاً.
صحيح أن القلق الأمني والخوف الشديد من تزايد التفجيرات يطغيان شعبياً على كل ما عداهما، وصحيح أن حماسة عام 2005 السياسية تحولت إلى اشمئزاز عام من السياسة، وصحيح أن الأزمة الاقتصادية تدفع كثيرين إلى البحث عما يخرجهم من هذه المراوحة القاتلة، وصحيح أن ظروف التفاهم الرباعي المحلية والإقليمية تختلف تماماً عن ظروف ذلك التفاهم الرباعي، إلا أن تصدي جعجع للأمر الواقع الذي فرض نفسه حتى على الأميركيين واجب مبدئي وضرورة وطنية لا بد منها: شهادة للحق. سيقدر الرأي العام في صناديق الاقتراع مستقبلاً هذه المبدئية كلها. يمكن من تحمل السجن أحد عشر عاماً أن يتحمل بعض العزلة مجدداً. لا مشكلة، المهم اليوم هو حفاظ جعجع على تصالحه مع نفسه ومبادئه والحق.