أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الضاحية سالكة.. وآمنة؟ >> الحركة التجارية تتراجع وسوق العقارات جامدة

الجمعة 17 كانون الثاني , 2014 05:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 6,089 زائر

الضاحية سالكة.. وآمنة؟ >> الحركة التجارية تتراجع وسوق العقارات جامدة

 ممنوع الحديث بصوت مرتفع. ممنوع التدخين أصلاً في الأماكن العامة المغلقة». تضيف الفتاة العشرينية ممازحة: «مسموح التفجير»!

في المبنى المشيّد بطريقة معمارية لافتة يواصل عدد من تلامذة المرحلة الثانوية وطلاب جامعيون البحث والقراءة بهدوء ما بعد العاصفة. قبل أيام اهتزتّ رفوف الكتب على وقع انفجار الشارع العريض، ولكن هؤلاء بقوا في أماكنهم. «المكان مثالي للدراسة وللقراءة وللهروب من ضجيج البيت والشارع»، يقول أحمد الطالب الثانوي الذي يزور المركز بشكل شبه يومي منذ أن تم افتتاحه قبل أشهر قليلة.

كلّ الطرق تؤدّي إلى حارة حريك. لا الإجراءات الأمنية المشدّدة ولا الكتل الإسمنتية أو الحواجز الحديدية ولا حواجز التفتيش عند المداخل الرئيسية حدّت من حركة الداخلين والخارجين من وإلى المنطقة. هنا «جامع الإمامين الحسنين» أحد معالم حارة حريك الرئيسية (رمزية المكان تعود لارتباطه بالمرجع الراحل السيد محمد حسين فضل لله)، وقريباً منه «مستشفى بهمن» الذي تردّد اسمه كثيراً في الآونة الأخيرة حيث استوعب العدد الأكبر من جرحى تفجيرات الضاحية. وهذا مبنى البلدية التي تنشط شرطتها في إطار «شرطة اتحاد بلديات الضاحية الجنوبية» في حفظ الأمن إلى جانب الجيش والقوى الأمنية الأخرى. وتلك كنيسة مار يوسف عند آخر التلّ المنبسط. الكنيسة الكئيبة (بالرغم من إعادة تأهيلها) لا تذكّر سوى بحال المسيحيين في هذا الشرق الحزين. فلِمَن تقرع الأجراس إذاً في حارة حريك؟ هل يكفي مثلاً أن يزور حكمت ديب أو آلان عون وغيرهما «الحارة» عقب كل تفجير للتأكيد على عمق الحضور هنا؟ لم ينعكس «التفاهم» بين «التيار الوطني الحر» و«حزب الله» في الواقع تقارباً حقيقياً بين القواعد الشعبية لـ«البرتقالي» و«الأصفر» بقدر ما كان حلفاً سياسياً أو «تفاهماً إستراتيجياً»، كما يحلو لبعض قيادات الطرفين توصيفه!

صوَر الشهداء في كلّ مكان. لا يخلو جدار من صورة لشبّان سقطوا في سوريا أو ضحية التفجيرات الإرهابية هنا. ذاتَ مرّة قال السيد حسن نصرالله: «نحن لا نوفر أولادنا للمستقبل». ولكن ماذا عن القتال في سوريا؟ النقاش هنا لم يقفل بعد حتى داخل البيئة الحاضنة لـ«حزب الله» بالرغم من أن الأكثرية الساحقة من جمهور المقاومة تؤيد القتال تحت عنوان حماية المقاومة ومواجهة المد التكفيري. «أنا مع المقاومة ولكني أخشى من أن يستنزف المستنقع السوري الحزب إذا ما طال أمد المعركة. يبدو أنه لا مفرّ من المواجهة»، يجزم رائد الذي يتابع دراسته الجامعية في السنة الأخيرة في العلوم السياسية!

الطريق إلى شارع عباس الموسوي، حيث «مجمّع السيدة زينب»، مقفل تماماً أمام السيارات في إجراء يتكرر يوميأً قبيل مواعيد الصلاة. المجمّع الذي شيّد بعد حرب تموز ضمن «مشروع وعد» والمباني الحديثة في الشارع المذكور غيّرت ملامح المكان الذي كان يعدّ جزءاً من «المربع الأمني» السابق. عادت أجمل مما كانت؟ ربما، ولكن الأبنية الجميلة المنسّقة تبدو وكأنها بحاجة إلى من يبثّ فيها الروح أو شيئاً من ذلك.

على بعد أمتار قليلة من مكان التفجير الذي أودى بحياة علي خضره وملاك زهوي وعباس كرنيب وآخرين لا تزال تلك الكلمات التي خطّت قبل 22 عاماً شاهدة على إطلاق اسم «شارع أمير الاستشهاديين أحمد قصير» على الطريق، مع ذلك بقيت تسمية «الشارع العريض» هي الأكثر رواجاً. وسط الطريق في مكان التفجير، زرعت ورودٌ حمراء، وقبل أسبوع حضَر رفاق الشهداء إلى المكان وأضاؤوا شموعاً في ليل الضاحية.

عاصمة ثانية

في المباني المحيطة تتواصل عملية الترميم والتأهيل التي تطال شققاً سكنية ومحالاً تجارية متضررة كلياً أو جزئياً. يأسف الحاج حسين (أحد سكان الشارع) على الشهداء، ويتذكّر كيف أن الشارع ذاته امتلأ بالركام في حرب تموز. يقول: «لن نستسلم للقتلة. ولن نخرج من هنا».

عادت حركة السير إلى وتيرتها الاعتيادية في شارع الشهيد أحمد قصير، و«لكن الحركة وحدها لا تكفي للقول إن الحياة عادت إلى طبيعتها»، يقول أحد أصحاب المخازن التجارية هناك، ويؤكد أن «الحركة التجارية تراجعت بشكل ملحوظ منذ الانفجار. الناس تحاذر دائماً التوجه إلى الأمكنة التي تعرّضت لتفجير مع أن القاتل لا يكرّر فعلته مرتين في المكان ذاته».

بعد تفجير الشارع العريض خرجت إلى العلن بعض الأصوات تقول إن «الضاحية لم تعد مكاناً صالحاً للعيش». ولكن هل يُقاس المزاج العام بردود فعل غاضبة هنا أو هناك؟ مع ذلك لا يمكن إخفاء حقيقة أن البعض (ولو بشكل محدود) بدأ يفكر جدياً بمغادرة الضاحية إلى أمكنة أخرى أكثر أمناً وأقل ازدحاماً. إلى الجنوب مثلاً!

عند تقاطع «الشارع العريض» والشارع الممتد من بئر العبد إلى الرويس أو عند «تقاطع تفجيرين»، تبدو صورة الضاحية أكثر قرباً. ازدحام مروري عادي في وقت الظهيرة لا يخفف منه «شرطي المرور» الذي يؤدي واجبه تماماً ولكن من دون جدوى! اصطدام مروري طفيف بين سيارة ودراجة نارية. أصوات أبواق السيارات لا تهدأ. عربة لبيع الخضار بجانب الطريق وأخرى لألعاب الأطفال وثالثة لبيع الكعك. «كافتيريا» صغيرة تحت الجسر الذي يخترق عمق الضاحية من طريق المطار باتجاه مستديرة الصياد صعوداً. تمدّدت الضاحية عمرانياً في السنوات الماضية وتحوّلت إلى غابة كبيرة من الإسمنت الذي قضى على ما تبقى من المساحات الخضراء، شأنها في ذلك شأن معظم «بيروت الكبرى». صارت الضاحية أشبه بعاصمة ثانية إلى جانب العاصمة بيروت ولا ينقصها فعلياً سوى المراكز الحكومية والدوائر الرسمية!

ماذا عن أسعار الشقق السكنية في الظرف الراهن؟ لا يتوقّع «أهل الاختصاص» انخفاضاً في أسعار الشقق نتيجة الظرف الأمني بل مراوحة. ويشيرون إلى أن «السوق العقارية تشهد منذ أكثر من سنة ركوداً لا علاقة له بالتطورات الأمنية الراهنة». ولكن هؤلاء ينبّهون أيضاً إلى «أن الأسعار قد ترتفع في حال شهد الوضع السياسي والأمني تحسناً واستقراراً، ذلك أن نسبة الشقق الجديدة الآن قليلة وكثير من تجار البناء متوقفون حالياً عن بناء الشقق».

سبب إضافي

في الرويس، حيث مكان الانفجار الذي وقع في 15 آب من العام الماضي وأودى بحياة 27 مواطناً ومواطنة، لا تزال الصورة العملاقة لشارة الانتصار الشهيرة معلّقة على أحد المباني. ورشة الإعمار والترميم لم تنته بعد، بالرغم من مرور 5 أشهر على التفجير. محل الحلاقة الذي قضى صاحبه (حسين بيضون) يستعيد زبائنه ببطء بعد انتهاء عملية تأهيله. يتابع صديق الشهيد (الذي نجا من الموت) «المسيرة» بعزم وتصميم. يخرج زبون ويدخل آخر، ليسأل الحلاّق عن بعض المعدّات اللازمة وعن إجراءات الحماية في الخارج. يتابع الحلاّق عمله ويقول: «المؤسف أن البعض قام باستغلال هذه الإجراءات لحجز موقف سيارة خاص به. ما يتسبّب بمشاكل مرورية إضافية»!

خارج «الصالون» كان صاحب محل المجوهرات يثبّت اللافتة الجديدة لمحلّه بمساعدة عاملَين آخرَيْن. ويدور حديث عن أسعار إيجارات المحال التجارية: «أصحاب المحال هنا لا يرحمون الناس. الحركة التجارية خفيفة وأسعار المحال لا تزال مرتفعة». وفي أحد بيوت العزاء القريبة تتهامس مجموعة من النسوة التي قدمت إحداهن من أستراليا أخيراً عن عدم جدوى خيار العودة والاستقرار نهائياً في لبنان، فيما كان عدد من الرجال يتحدثون عن سوريا و«داعش» و«الحزب» وتأليف الحكومة وأزمة الكهرباء.

أما هادي. س، أحد جرحى تفجير الرويس وآخِر المتماثلين للشفاء، فيستعيد كل يوم تلك اللحظات الرهيبة التي حوّلت الشارع جحيماً في لحظات. ولكن الحادثة في المقابل أعطته، كما يقول، حافزاً قوياً وسبباً إضافياً لمتابعة حياته بشكل طبيعي. يتابع هادي دراسته الجامعية الآن في هندسة الاتصالات، ويقول بثقة: «أسكنُ هنا منذ 14 عاماً، ولن أذهب إلى أي مكان آخر. اعتدتُ العيش في هذه المنطقة بحسناتها وسيئاتها».

لقد حوّلت الحرب السورية الضاحية الجنوبية خط تماس مباشراً مع الداخل السوري. وحارة حريك التي لها رمزية سياسية خاصة، صارت اليوم هدفاً من أهداف الإرهاب بعدما كانت هدفاً للطيران الحربي الإسرائيلي طيلة ثلاثة وثلاثين يوماً في حرب تموز.

أما ناس الحارة وأهلها فسينامون ورجاؤهم ألا تتكرّر التفجيرات. ينتظرون أولادهم ليعودوا من المدرسة، فيما ينتظر الأبناء آباءهم ليرجعوا من يوم عمل طويل حاملين معهم «الخرجية» ليوم آخر. الطريق إلى الضاحية الجنوبية سالكة.. وآمنة؟

فراس خليفة


Script executed in 0.16082692146301