أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

انتكاسة المواسم

الثلاثاء 21 كانون الثاني , 2014 09:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,555 زائر

انتكاسة المواسم

 

البيوت البلاستيكية وحدها ليست متضرّرة حكماً من تبدلات درجات الحرارة بين الليل والنهار. فالكارثة مقبلة إذا استمر الوضع على ما هو عليه حتى نهاية الشهر الجاري ومطلع شباط. بعض بوادرها ظهر أمراضاً فطرية على الأشجار المثمرة، وهو أمر غير معتاد في مثل هذه الأيام التي كانت تتميّز ببرد شديد يرافقه جليد قاس يسهمان في موت الحشرات والفطريات الضارة. كان المزارعون يردّدون مثالاً شائعاً عن كون «سنة الملّاح (أي الجليد) هي سنة الفلّاح». لكن مشكلة المزارعين هذه الأيام، أن الطقس دافئ نهاراً وبارد جداً ليلاً. هذا التغيّر المفاجئ في الحرارة يقضي على البراعم التي يرتقب أن تتفتح مع بداية فصل الربيع. أما الجفاف، فقد أصاب القمح الذي بات يحتاج إلى ري. مربو الماعز كانوا قد نقلوا مواشيهم إلى مناطق الساحل، فتبيّن لهم أن الأرض لم تنتج مراعي طبيعية وأن حاجة القطيع إلى العلف ضرورية. النحالون في عزّ الأزمة أيضاً، فالزهر المنتظر من الليمون في هذا الموسم لم يظهر بعد... كذلك أصيب أصحاب الشتول والأغراس الزراعية بالكساد. غالبيتهم فضّلوا عدم شراء شتول وأغراس جديدة من الأشجار المثمرة، خشية أن تذبل وتموت بسبب انحباس المطر. أسعار شتول الخوخ والمشمش والجنارك والدراق وسواها تراجع من 4 آلاف ليرة للغرسة الواحدة، إلى ألفي ليرة فقط. ومصير غالبية هذه الشتول هو الموت، وخصوصاً تلك التي تعتمد على مياه الأمطار.

مزارعو البقاع قلقون من انحباس المطر لأنه يؤدي إلى تلف بذور المزروعات الشتويّة، وبالأخص حبوب القمح والشعير المزروعة في الأراضي البعليّة. فمنذ انحسار العاصفة «أليكسا» ينتظر المزارعون بفارغ الصبر هطل الأمطار في شهر كانون الثاني. كان هذا الشهر «فحل الشتي».

كمية المتساقطات في البقاع لا تزيد نسبتها على 15% من المعدّل العام. «طالع سيئ لا يبشّر بموسم زراعي جيد»، هذا هو توصيف رئيس نقابة المزارعين في البقاع إبراهيم الترشيشي. الرجل يؤكد أن تقلبات المناخ من خلال ارتفاع درجات الحرارة نهاراً وانخفاضها ليلاً، وتدنيها إلى ما دون الصفر عند الفجر ومع ساعات الصباح الأولى، عوامل لا تساعد في نمو النبات نمواً طبيعياً، وبالتالي ستؤدي إلى تعرض نسبة كبيرة منها للتلف، وبالأخص تلك التي باشر المزارعون بريّها في أوقات مبكّرة خلافاً للعادة. كل هذا الوضع يرتّب أكلافاً إضافية على المزارعين.

شحّ الأمطار يؤدي إلى نقص في مخزون المياه الجوفيّة التي تعدّ مصدراً رئيسياً لاستمرار ريّ المزروعات الصيفيّة. ويؤكد الترشيشي أن قلّة المتساقطات وتقلبات الطقس، قضيا على نسبة 80% من مزروعات البصل، وثمة مخاوف من أن ينسحب ذلك على مزروعات القمح والشعير في الأراضي البعليّة، موضحاً أن المساحات المزروعة بالقمح في البقاع تقدّر بنحو 125 ألف دونم تروى غالبيتها بمياه الأنهر والأبار الارتوازية.

أكثر ما يزيد من مخاوف الفلاحين، هو التأثيرات السلبيّة على الأشجار البعليّة، وما قد يسببه الجفاف من تراجع نموها، وإضعاف قدرتها على إنضاج ثمارها طبيعياً جراء ارتفاع نسبة الملوحة في التربة.

لا يخفي المزارع يوسف الدغيدي تخوّفه من أن يؤدي انحباس المطر إلى يباس نصوب الأشجار الجديدة التي غرسها قبل نحو شهر، وهذا ما دفعه إلى تزويد هذه النصوب بكميات قليلة من المياه تساعد في ترطيب التربة حول الجذوع، مستخدماً لهذه الغاية صهريجاً للمياه يجرّه بواسطة جراره الزراعي، ويقول: «ما كان ينقصنا هو تكبّد مصاريف إضافيّة لري الأشجار والمزروعات الشتويّة، لكن رغم ذلك ننتظر خير السماء في الأيام المقبلة».

في أحد الحقول المزروعة بنباتات البازيلا، ينهمك المزارع أحمد الخطيب بتمديد قساطل المياه «البخاخات» التي توزع المياه دائرياً بواسطة مضخات مخصّصة لهذه الغاية «انقطاع الأمطار طوال شهر ونصف لم يكن بالحسبان، وإذا بقي الوضع كذلك فسنضطر الى دفع مصاريف مضاعفة للحفاظ على سلامة الحبوب تحت التربة. نتخوّف من أن يسبب الصقيع ليلاً وارتفاع الحرارة نهاراً، القضاء على النباتات بعد نموّها فوق التربة».

كلام الخطيب يؤكده جاره إيلي نبهان، الذي كان قد وزّع كميات من السماد العضوي على بستانه المزروع بأشجار الدرّاق والخوخ «فإذا استمر انحباس المطر سأضطر الى استئجار عمال لخلط التربة بالسماد العضوي، لأن الأخير يفقد فعّاليته في حال تعرضه لأشعة الشمس لفترة طويلة». في المحصّلة، يجمع المزارعون على أن ما جنوه من أرباح العام الماضي، بعد مواسم زراعيّة جيدة نسبياً، من المرجح أن تتبخّر في ظل استمرار انحباس المطر لفترة طويلة.

الاخبار 

Script executed in 0.18909597396851