تدور الأم بين الجارات والخالات والعمات والصديقات، ثم تقول لهن: خبروا من كانت ابنتي، لم تكن تخرج من المنزل إلا على آخر طراز، لا تقبل أن ينتقص شيء من جمالها. خبري يا معلمة المدرسة كيف كانت ماريا. دخيلكن النار تشتعل في صدري، راحت ابنتي وأختي ورفيقتي.
يبلغ كل من الأم والأب نهاية الثلاثينيات من عمريهما، وقد أكل استشهاد ماريا العمر كله. يخافون على الأم المفجوعة، والأب الذي لا يرد على شيء سوى بهزة من رأسه. لدى ماريا شقيقان محمد وعباس، وماريانا الصغيرة في التاسعة من عمرها، أرسلوها إلى معملة المدرسة أمس، ولم يخبروها عن استشهاد شقيقتها، كي لا تتعرض للصدمة، فهي متعلقة بها كثيراً، تنامان معا في غرفة واحدة، تلاعبها ماريا وتدرسها وتختار لها ملابسها.
في غرفة الشقيقتين خزانات ملونة بالليلكي والزهري والفستقي، وقد أقفل محمد البكر خزانة ماريا وحمل المفتاح. يقول إن شقيقته وُلدت في ذكرى عيد الاستقلال في الثاني والعشرين من تشرين الثاني العام 1995، وهي بذلك تجاوزت الثامنة عشرة بشهرين. تسلك الطريق يومياً سيراً على الأقدام من منزل أهلها في الرويس قرب حي آل المقداد، إلى معهد الآفاق في حارة حريك حيث تدرس التجميل، ثم تنتقل إلى عملها في محل لبيع الأحذية في الشارع العريض. ويوضح محمد أن ماريا كانت تعمل من أجل أن لا تكبد والدها مصاريفها الشخصية، ودفع بدل أقساط المعهد. وقد ذهبت أمس إلى المعهد، ووجدته مقفلاً، فانتقلت إلى الشارع العريض.
عندما وقع الانفجار اتصل بها أهلها كما أصبحت العادة لدى وقوع كل انفجار في الضاحية حيث يتصل الناس للاطمئنان على أولادهم، لكنهم وجدوا هاتفها مقفلاً. قصد محمد المعهد ولم يجدها، ثم قصد المحل ولم يجدها أيضاً. فذهب مع شقيقه عباس إلى مستشفيات الرسول الأعظم وبهمن والساحل، وسألا عن أسماء الجرحى، لم يخطر في بالهما أن شقيقتهما شهيدة، أو ربما لم يريدا في داخلهما أن تخطر الفكرة على بالهم. كان أبوها يتصل، وعندما لم يجدها أهلها بين الجرحى سألوا عن الشهداء وعرفوا أنها بينهم من الأوراق الثبوتية في حقيبتها. ويقول محمد إنه شرطي في اتحاد بلديات الضاحية، ويمر يومياً في المكان أيضا. ويروي أن ماريا كانت صديقته مع عباس، هي الأخيرة التي تعود إلى المنزل عند السابعة والنصف مساء كل يوم، تعد الأم العشاء، ثم يسهرون برفقة النارجيلة. لم يكن بينهما أسرار، تخبره عن الشبان الذين يعجبون بها وتستشيره، ويخبرها هو عن الصبايا اللواتي يعجب بهن ويستشيرها. يضحكون ويلعبون وأحياناً يتقاتلون، يبكي محمد بحرقة، ويقول إنه غير قادر حتى الآن على تحمل فقدانها.
يروي خالها محمد قطايا وهو كبير العائلة أنه سمى والدتها ماجدة عندما ولدت، ورباها بعد وفاة والده، ثم سمى ابنة ماجدة ماريا، تيمنا بزوجة الرسول ماريا القبطية، ولأن اسمها صلة وصل بين المسلمين والمسيحيين. لقد اجتمعوا من أجلها أمس، قسم جاء من الهرمل، وقسم من بيروت.